الجمعة، 31 يناير 2014

قمر أميركي ياباني لدرس الأمطار وتغير المناخ

أعلنت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) أن قمراً اصطناعياً أميركياً - يابانياً سيطلق في شباط (فبراير) بهدف قياس المتساقطات على سطح الأرض، لدراسة التغيّر المناخي وتشكل الأعاصير والجفاف والفيضانات، إضافة الى تقدير مصادر المياه العذبة.
 
هذه المهمة مشتركة بين "ناسا" ووكالة الفضاء اليابانية "جاكسا". ومن المقرر أن يطلق القمر من قاعدة تيناغاشيما الفضائية في اليابان. وسيسبح في مدار على ارتفاع 407 آلاف متر عن سطح الأرض.
 
المصدر : منتدى البيئة والتنمية

البراكين وكنوز الطاقة الدفينة في أفريقيا

سارة كروداس مذيعة حرة وكاتبة مقيمة في لندن.

تقبع منطقة شرق أفريقيا فوق كنز من الطاقة الحرارية الأرضية؛ فهل يمكن أن تكون البراكين هي مفتاح الوصول إليه؟

نظرة واحدة إلى المشهد ستمنحك فكرة طيبة عن سبب إطلاق السكان المحليين على بركان «إرتا أليه» اسم بوابة الجحيم؛ إذ تستعر بحيرة الحمم في ذلك البركان الأسود بين صفيحتين مشقوقتين في الصحراء. فهنا في منطقة عفار بإثيوبيا يمكنك أن تشاهد العالم يتمزق بكل ما في الكلمة من معانٍ. 

تُظهر صور الأقمار الصناعية أن براكين شرق أفريقيا نشطة إلى حدٍّ مدهش 

 وما الانبعاجات والشروخ التي تموج بها تلك الأرض سوى إشارة بسيطة إلى العنف الكامن تحت السطح. فهنا في شرق أفريقيا، القوى التكتونية الأرضية تتعارك، مشكِّلةً صفائح جديدة بتمزيق الصفائح القديمة. فإذا طرقنا الأعماق الفائرة فستكون المكافأة عظيمة؛ فالصهارة الملتهبة تنبثق من أعماق الأرض إلى أعلى عبر الشقوق، وتسخِّن الصخور القريبة من السطح. وحيثما تلتقي تلك الصخور المياه الجوفية، يمكن استغلال البخار الكثيف للحصول على السمات المثالية الثلاث للطاقة الممتازة، وهي: النظافة، والاستدامة، والاعتمادية الكاملة.

قليلة هي المواقع التي يسهل فيها الحصول على ذلك المزيج في العالم، ولكن ثَمَّةَ مجموعة من العوامل حالت دون وصولنا إلى ذلك المنجم الطبيعي للطاقة. إلا أن الأبحاث الحديثة تبث أملًا جديدًا في استغلال ذلك المورد، وفي احتمال انتشال منطقة كاملة من الفقر.
يبدأ صدع شرق أفريقيا في سوريا، ويشق طريقًا طوله ٦٤٠٠ كيلومتر عبر السودان وإثيوبيا وكينيا وجيبوتي وتنزانيا، وصولًا إلى موزمبيق. ويقول مايكل كِندال — مدير كلية علوم الأرض بجامعة بريستول في المملكة المتحدة: «إن قارة أفريقيا تتمزق بمعدل سنتيمتر إلى سنتيمترين كل عام.» وإذ تنشق القشرة الأرضية تنبثق الصهارة وتكوِّن البراكين، منها ٣٠ تكونت بالفعل على طول الصدع. وفي النهاية، سوف يمتد الشق في البحر، ويتسع — على غرار البحر الأحمر قبله — ويتحول قرن أفريقيا الشرقي إلى جزيرة.
الصدوع توجد عادةً — بحكم تعريفها — تحت المحيط فقط؛ حيث تكون قشرة الأرض أرفع ما يمكن. أحد استثناءات ذلك هي آيسلندا؛ حيث انبثقت من أعماق الأرض كميات كبيرة جدًّا من الصهارة الملتهبة إلى حد أن ارتفعت عن سطح البحر وكوَّنت أرضًا. ذلك التراث الجيولوجي جعل من آيسلندا منجمًا حقيقيًّا للطاقة الحرارية الأرضية، وهي مصدر فريد للكهرباء النظيفة يتميز عن كثير من مصادر الطاقة المستدامة الأخرى بتوافره بصرف النظر عن الرياح أو الطقس. وفي آيسلندا تمد الطاقة الحرارية الأرضية معظم المنازل بالتدفئة إضافةً إلى الكهرباء.
وتتوافر لصدع شرق أفريقيا إمكانات أكبر من آيسلندا (انظر الشكل). فيقدِّر برنامج الأمم المتحدة للبيئة إمكاناتها من الطاقة بما يبلغ ١٥ جيجاوات، أي ما يعادل ١٥ مفاعلًا نوويًّا متوسط الحجم. ويعادل ذلك إجمالي الإمداد العالمي من الطاقة الحرارية عام ٢٠١٠ مرة ونصف المرة. 
فرِّق تسُد: أسفل صدع شرق أفريقيا يقبع ما يعادل ١٥ مفاعلًا نوويًّا من الطاقة. ولكن أين؟ قد تقدم خرائط الأقمار الصناعية الجديدة أدلة ترشدنا إلى أماكن وجودها.
وعلى الرغم من أن تلك الإمكانات كانت ظاهرة منذ أواسط خمسينيات القرن العشرين، فهي لم تُستخدَم إلى حدٍّ كبير؛ فالواقع أن بلدين فقط ضمن صدع شرق أفريقيا — كينيا وإثيوبيا — يستخدمان قدرًا قليلًا جدًّا من الطاقة الحرارية الأرضية؛ فسعة الطاقة الحرارية الأرضية هناك بلغت الآن ٢١٢ ميجاوات في كينيا و٧ ميجاوات في إثيوبيا، وذلك وفقًا للبنك الدولي. ولكن حتى في حالة كينيا، لا يمثل ذلك الرقم سوى قطرة في بحر، فيقول بيير أودينيه — مسئول تنمية الطاقة في البنك الدولي: «لقد قطعت كينيا الشوط الأطول فيما يتعلق بتنمية الطاقة الحرارية الأرضية.» إلا أن ١٧ في المائة فقط من ذلك البلد مزوَّد بالكهرباء، وهي نسبة ضئيلة وإن كانت تضع كينيا في المركز الأول بين بُلدان الصدع جميعًا في هذا المجال.

مهمة خطِرة

الواقع أنه — وفقًا للأمم المتحدة — على الرغم من أن ١٣ في المائة من سكان العالم يعيشون في شرق أفريقيا، فإنهم يستهلكون أقل من ٣ في المائة من معدل استهلاك الكهرباء العالمي. فيقول أخيم شتاينر — مدير برنامج الأمم المتحدة للبيئة: «إن منطقة نظام صدع شرق أفريقيا من أكثر مناطق الأرض ثراءً بالموارد، إلا أنها أقلها وصولًا إلى الكهرباء.» فلماذا لم يكن من الممكن حفر الأرض ببساطة والحصول على تلك الطاقة؟
حتى تنال مخزونات الطاقة الحرارية الأرضية الهائلة، لا بد لك أولًا من أن تتمكن من إيجادها والوصول إليها. وهنا تكمن الصعوبة، فحتى في المناطق الثرية جيولوجيًّا، لا يمكنك أن تحفر في أي مكان. فنظرًا لأن التوليفة الدقيقة من الصخور المسامية الساخنة والمياه لا تتوافر في كل مكان؛ تكمن المخاطرة في أن تحفر إحدى شركات المرافق المحلية بئرًا — وهي مهمة تتراوح تكلفتها بين ٣ ملايين و٧ ملايين دولار بلا شك — ثم لا تجد سوى بئر جافة لا ينبعث منها بخار. ولننظر في مثال محطة ألوتو لانجنو؛ محطة توليد الطاقة الحرارية الأرضية الصغيرة الوحيدة في إثيوبيا. فمن بين ١٢ بئرًا محفورة هناك بغرض الاستكشاف، لا ينبعث البخار سوى من ثلاثٍ منها، والأخرى غير نشطة. فيقول كِندال: «يضعنا هذا أمام التساؤل عن سبب نجاح [الحفر] في أماكن دون أخرى.»
تتيح النظم الحرارية الأرضية حديثة النشأة «المحسَّنة» مزيدًا من حرية الحركة، ولكنها تستلزم حيلًا مرتفعة التكلفة مثل المياه المحقونة، وهي ليست متوافرة في المناطق المعرَّضة للجفاف. ويقول أودينيه إنك حتى تصل إلى طاقة حرارية أرضية «سهلة» متكونة بصورة طبيعية «لا بد أن تعرف بدقة متناهية أين تحفر.»
وبصفة عامة، فقد توافر لدى البُلدان ذات برامج الطاقة الحرارية الأرضية الناجحة تمويل وفير لتأمينها ضد تلك المخاطر؛ ففي آيسلندا — على سبيل المثال — دعمت الحكومة العمليات الاستكشافية. إلا أنه في شرق أفريقيا، يكون لدى الحكومات المحلية أولويات مالية أخرى أكثر إلحاحًا.
ولا تتوافر مصادر تمويل كثيرة خلافًا لذلك؛ فالتكاليف الباهظة للدراسات السطحية المبدئية والحفر الاستكشافي تنفِّر المستثمرين. وفي حالة الطاقة الحرارية الأرضية، لا يوجد عائد مضمون للاستثمارات الكبيرة الموضوعة فيها، فحتى إن انبعث البخار من الآبار الاستكشافية، فقيمته منخفضة نسبيًّا. فخلافًا للنفط أو الغاز، لا يمكن شحنه على السفن وبيعه، فلا يمكن استخدامه سوى في مكان واحد لتوليد الكهرباء، وبأسعار ثابتة.
ويقول أودينيه: «إنها إمكانات مهمة نظريًّا، ولكن تحويلها إلى حقيقة اقتصادية أمر يتطلب بذل جهود فنية ومالية.»
كما أنه يتطلب مكونات أكثر جوهرية؛ فتحديد المكان المناسب للحفر ليس بالمهمة البسيطة على الإطلاق في البلدان التي تفتقر في بعض الأحيان إلى بنية تحتية أساسية للغاية مثل الطرق. وتقول جولييت بيجز — عالمة جيوفيزيائية بجامعة بريستول: «بعض تلك الأماكن لا يمكن الوصول إليها إلا على ظهر الجِمال.» وإذا أضفنا إلى ذلك المخاطر السياسية كثيرة الحدوث فسيكون من الصعوبة بمكان أن نحدد نقطة البداية؛ ونتيجةً لذلك — على حد قول بيجز — فإن «حد هذه الصفيحة هو الأقل توثيقًا في العالم أجمع.»
إلا أنه منذ بضعة أعوام ظهرت وسيلة جديدة لتحديد مواقع الطاقة الحرارية الأرضية؛ فقد انفجر بركان داباهو — أحد براكين الطرف الشمالي من الصدع في إثيوبيا — بغتةً عام ٢٠٠٥. واتضح أن لا أحد يعلم متى كان آخر نشاط لأحد براكين الصدع، أو ما إذا كان من المرجح أن ينفجر أيٌّ منها قريبًا. وتقول بيجز: «عادة يكون ذلك بتفقُّد السجل التاريخي للانفجارات، واستخدامه للتنبؤ بالمستقبل. والمشكلة أن تلك الأماكن لا يتوافر بها سجل تاريخي.» ففي كينيا على سبيل المثال، تقول بيجز إن أحدث الرواسب قد يرجع إلى عام ١٨٦٣ أو إلى ٤ آلاف عام مضت؛ «لا أحد يعلم.» ويشكِّل ذلك خطرًا على ١٠ ملايين إثيوبي يعيشون على بُعد ١٠٠ كيلومتر من براكين غير خاضعة للرقابة.
كانت بيجز تبحث عن طريقة أفضل للتنبؤ بتلك الانفجارات، وأدركت أن أي تنبؤات لا بد أن تأتيَ عن طريق تقصِّي مؤشرات النشاط في الوقت الحالي، وأفضل طريقة لفعل ذلك عبر مساحات كبيرة تكون باستخدام القمر الصناعي «إنفيسات» المخصص لمراقبة الأرض. وقد كشفت البيانات الواردة عن القمر الصناعي أمرًا غير متوقع؛ فمن بين ٣٠ بركانًا قائمة على طول الصدع، وجدت بيجز وزملاؤها أن ١٨ منها آخذة في التشوه حاليًّا (انظر الشكل السابق). تلك التشوهات — إزاحة الأرض بصورة يتبين منها حدوث اضطراب تحت الأرض — أشارت إلى أنه ثَمَّةَ صهارة على بُعد بضعة كيلومترات تحت سطح الأرض. وقالت بيجز: «ما كنت لأسميَها خريطة كنز»، ولكنها أشبه بذلك. فنظرًا لتصاعد الصهارة بالقرب من السطح — على بعد نحو كيلومتر واحد — تكون المناطق التي ترتفع فيها مخاطر البراكين عن المتوسط مثالية للحصول على الطاقة الحرارية الأرضية (جيوكيميستري جيوفيزيكس جيوسيستمز، المجلد ١٢، صفحة ١). ينطبق ذلك بلا شك على آيسلندا. فتقول بيجز: «في الحقيقة ثَمَّةَ أنماط مشابهة من التشوهات في البراكين هناك.»
وقد رصد إنفيسات كتل الصهارة الضحلة تلك على طول الصدع. وبضمِّه إلى تقنيات أخرى، قد يساعد بلدان شرق أفريقيا على إيجاد أفضل مواقع الطاقة الحرارية الأرضية. ويقول كِندال: «إذا أمكننا زيادة فهمنا لتكوينات الصدوع وللنظم الحرارية الأرضية، فسوف نتمكن من إرشادكم على نحوٍ أفضل إلى أماكن الحفر الملائمة.» والحقيقة أن الحفر بالقرب من التشوهات ينبغي أن يساعدنا على تجنب الحُفَر الناضبة؛ إذ إنه بالإضافة إلى العثور على الصهارة، فإنها تشير كذلك إلى الصدوع والصخور المتكسرة التي تسمح بتدفق المياه الجوفية العميقة.
وقد تسرِّع تلك الخرائط وتيرة نقلة تحدث ببطء على مدى السنوات القليلة الماضية. فشركة كينجين — الشركة الكينية الحكومية وأكبر مُنتِج للطاقة في البلاد — بصدد تشييد محطة لتوليد الطاقة الحرارية الأرضية حاليًّا من شأنها أن تُضاعف إنتاج البلاد من الطاقة الحرارية الأرضية بدءًا من عام ٢٠١٤، وهي تخطط لبناء محطة أكبر بكثير بحلول عام ٢٠١٩. وفي الآونة الأخيرة، أصبحت شركة الطاقة الحرارية متعددة الجنسيات «أورمات» أول شركة خاصة تموِّل محطة طاقة وتنشئها في كينيا.

آمال جديدة

على الرغم من أن أورمات لن يكون بإمكانها أن تخزن البخار وتصدِّره، فثَمَّةَ خيار آخر لتحقيق ربحٍ من الطاقة الحرارية الأرضية، هو: تصدير الكهرباء المتولدة عنها. فمجرد أن ينتهيَ أمر التكاليف الباهظة المرتبطة بعمليات الحفر الاستكشافية — لا سيما إنْ يسَّرتها خرائط تشير إلى البقع التي يسهل استخلاص الطاقة منها — تكون تكاليف إنتاج الطاقة الحرارية الأرضية منخفضة إلى حدٍّ ملحوظ. ويقول أودينيه إنك إذا توافرتْ لديك البنية التحتية السليمة لإنتاج الكهرباء، فستتمكن من التكسُّب من بيعها للبلدان الأخرى. بعض تلك المبيعات تحدث بالفعل؛ إذ يقول: «إثيوبيا تصدِّر بالفعل الطاقة المائية إلى جيبوتي.» فكينيا وإثيوبيا تتاجران في الطاقة على نطاق محدود، وقال إنه ثَمَّةَ حديث أيضًا عن احتمال إنشاء مجمَّع طاقة إقليمي في شرق أفريقيا.
إن توصيل الكهرباء وحده لن يبدِّل أوضاع المنطقة — فتوافر الطرق والمياه النظيفة أمران حيويان بدورهما — «ولكن بمجرد أن تتوافر لديك تلك الأشياء، يتبعها كل شيء آخر.» على حد قول بيجز. فقد توصلت عدة دراسات أُجريت على أفريقيا والصين أن الكهرباء عندما توافرت، تبعها النمو؛ إذ رُفِع متوسط الأجور أكثر من دولارين يوميًّا على سبيل المثال (إِنرجي بوليسي، المجلد ٣٤، صفحة ١١٠٦). والنموذج الأمثل على ذلك هو آيسلندا؛ فيقول أودينيه إنه ما إن شَرَع ذلك البلد في تطوير إمكاناته من الطاقة الحرارية الأرضية، حتى اجتذب الصناعات كثيفة الطاقة مثل صهر الألومنيوم؛ مما جعل المال يتدفق إلى المنطقة بدوره.
فهل يمكن لبلدان شرق أفريقيا أن ترقى لمستويات إنتاج الطاقة الحرارية الأرضية لدى آيسلندا؟ يرى أودينيه أن البيانات الواردة عن قمر بريستول الصناعي قد تقدِّم إسهامًا ذا قيمة. ويقول: «المحصلة النهائية هي أنك لا بد أن تحفر لكي تعرف.» وحتى الآن لا تستخدم شركة أورمات وغيرها من شركات الاستكشاف الخرائط لكي تسترشد بها في عملياتها الاستكشافية. وتقول بيجز: «منذ عام ٢٠٠٨ أو ٢٠٠٩ تقريبًا، بدأنا نرسل إليهم نسخًا من الخرائط.» فنظرًا لكمِّ مخزونات الطاقة التي قد تكشف عنها، تقول بيجز: «إننا نرى أنه حري بهم أن يستخدموها.» 

 لمتابعتنا على الصفحة الرئيسية للفسبوك هنـــــــــا

موجة البرد تجمد شلالات "نياجرا" بالكامل

تسببت موجة البرد والثلوج التي تشهدها الولايات المتحدة وكندا بتجمد شبه كامل لأشهر شلالات في العالم، حيث توقفت شلالات “نياغرا” الشهيرة عن الحركة بعد أن تجمدت، لتتحول إلى ما يشبه مدن الأشباح، وهي التي تستقطب ملايين السياح الذين يقصدونها من مختلف أنحاء العالم سنوياً. وسجلت درجات الحرارة مستويات قياسية متدنية في الولايات المتحدة وكندا، حيث وصلت يوم الثلاثاء السابع من يناير الحالي في بعض المناطق إلى 37 درجة مئوية تحت الصفر، وهي درجات حرارة أقل من تلك التي يتحدث عنها العلماء على كوكب المريخ، وتسببت بتعطيل العديد من المرافق الحيوية في البلاد، بما في ذلك اضطرار شركات طيران لإلغاء رحلاتها نتيجة سوء الأحوال الجوية. وضربت العاصفة القطبية أكثر من 240 مليون شخص في الولايات المتحدة وجنوب كندا، كما أنها حولت المياه إلى ثلوج، وأدت إلى موجة غير مسبوقة من البرد. ويتبين من صور شلالات “نياغرا” أنها تجمدت بالكامل بسبب انخفاض درجات الحرارة، وتحولت إلى أعمدة من الجليد الكامل دون أية حركة، إلا أن واحدة من الصور التي بثتها وكالات الأنباء تظهر أن أعداداً من السياح، وإن كانت أعداداً قليلة، لا تزال تؤم الشلالات، وتحاول التقاط الصور هناك مع هذا الحدث النادر الذي تشهده المنطقة.

الغباء: لماذا يرتكب الناس الحماقات؟

يتنوع الذكاء البشري بصورة مدهشة، لكن لماذا لم يجعلنا التطور جميعًا عباقرة، ولماذا يتصرف من يتمتعون بمعامل ذكاء مرتفع كالحمقى؟
 كتب الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير: «للأرض حدود، لكن لا حدود للغباء البشري»، وهي حقيقة كادت تفقده عقله؛ إذ كانت خطاباته المتعددة إلى لويز كوليه — الشاعرة الفرنسية ومصدر الإلهام لروايته «مدام بوفاري» — مليئة بانتقادات مثيرة لزملائه الحمقى. فقد كان يرى الغباء في كل مكان، بدءًا من ثرثرة متطفلي الطبقة الوسطى وانتهاءً بمحاضرات الأكاديميين، بل إن حتى فولتير لم ينجُ من انتقاداته. ومع استحواذ هذا الهاجس على حياته، كرَّس فلوبير سنواته الأخيرة لتجميع آلاف النماذج لكتابة ما يشبه موسوعة عن الغباء. إلا أنه توفي في عمر ٥٨ عامًا قبل أن يتم أعظم إبداعاته، ويرجع البعض وفاته المفاجئة إلى الإحباط الذي لاقاه أثناء بحث مادة الكتاب. 

قد يبدو توثيق حجم الغباء البشري في حد ذاته فعلًا من أفعال الحمقى، مما قد يفسر سبب تركيز الدراسات التي تناولت العقل البشري على الطرف المقابل من نطاق الذكاء. ومع ذلك، فإن اتساع هذا النطاق بشدة يطرح العديد من الأسئلة المثيرة للاهتمام. فعلى سبيل المثال، إذا كان الذكاء حقًّا ميزة مبهرة، فلماذا لم نصبح كلنا أذكياء بنفس الدرجة؟ أو هل توجد عيوب للذكاء مما يجعل الغلبة لبطيئي التفكير في بعض الأحوال؟ ولماذا يكون أذكى الناس معرَّضين رغم ذلك للتصرف بغباء؟
لقد اتضح أن القياسات المعتادة للذكاء — لا سيما معامل الذكاء — ترتبط ارتباطًا ضئيلًا بنوع التصرفات غير العقلانية وغير المنطقية التي طالما أثارت غضب فلوبير، فقد يتمتع الشخص حقًّا بذكاء عالٍ لكنه يتسم في الوقت ذاته بالغباء الشديد. إن إدراك العوامل التي تدفع الأذكياء إلى اتخاذ قرارات سيئة بدأ يلقي الضوء على عدد كبير من أضخم الكوارث المجتمعية، من ضمنها الأزمة الاقتصادية الأخيرة، والأكثر إثارة للاهتمام هو أن أحدث الأبحاث قد تقترح طرقًا لتجنب هذا الوباء الذي يمكن أن يجتاحنا جميعًا.
مما يدعونا للدهشة أن فكرة اعتبار الذكاء والغباء مجرد طرفين متقابلين لنطاق واحد هي فكرة حديثة. ففي عصر النهضة، صوَّر عالم اللاهوت إيرازموس «الحماقة» — أو «ستولتيتيا» باللاتينية — كشخصية مستقلة في حد ذاتها من نسل إله الثروة وحورية الشباب، بينما رآها آخرون مزيجًا من الكبر، والعناد، والزيف. ولم يختلط مفهوم الغباء مع معدل الذكاء المتوسط إلا في منتصف القرن الثامن عشر، كما يذهب المؤرخ الهولندي ماتايس فون بوكسيه الذي كتب عدة كتب عن الغباء، فيقول: «في هذا العصر تقريبًا، صعدت الطبقة الوسطى إلى الحكم، وأصبح المنطق هو العرف الجديد مع حلول عصر التنوير؛ مما جعل كل امرئ سيد مصيره.»
نزعت المحاولات الحديثة لدراسة الاختلافات في القدرة البشرية إلى التركيز على اختبارات معامل الذكاء التي تحدد رقمًا واحدًا يعبر عن قدرة الفرد العقلية. ووفقًا لريتشارد نيسبيت — عالم النفس بجامعة ميشيجان بمدينة آن أربور — يُعترَف بتلك الاختبارات في معظم الأحوال كمقياس للاستدلال المجرد، مضيفًا: «إذا كان معامل ذكائك ١٢٠ فمن السهل عليك تعلم حساب التفاضل والتكامل، وإذا كان ١٠٠ فيمكنك تعلمه لكن عليك أن تحفز نفسك لبذل جهد كبير في ذلك، أما إذا كان معامل ذكائك ٧٠ فلا فرصة أمامك لاستيعاب حساب التفاضل والتكامل.» يبدو إذن أن هذا المقياس يتنبأ بالنجاح الأكاديمي والمهني.
ستحدِّد عوامل متنوعة موقعك على مقياس معامل الذكاء. وعلى الأرجح، يرجع ثلث الاختلاف في ذكائنا إلى البيئة التي نشأنا بها — من حيث التغذية والتعليم مثلًا — في حين تساهم الجينات بما يزيد عن ٤٠٪ من الاختلافات بين أي شخصين.
تتجلى تلك الاختلافات في التوصيلات العصبية بالدماغ؛ إذ يبدو أن أذكى العقول تتمتع بشبكات أكثر كفاءة من الوصلات بين الخلايا العصبية. وتقول جيني فيريل — عالمة النفس بجامعة غرب إنجلترا في مدينة بريستول — إن هذا قد يحدِّد حجم قدرة الفرد على استخدام ذاكرته «النشطة» قصيرة الأمد للربط بين الأفكار المتباينة والوصول سريعًا إلى استراتيجيات حل المشكلات، مضيفة: «تمثِّل تلك الوصلات العصبية القاعدة البيولوجية لخلق روابط عقلية فعالة.»
أدى الاختلاف في معدلات الذكاء إلى تساؤل البعض عما إذا كان للقوة العقلية المتفوقة ثمنها، أو بالأحرى، لِمَ لم يجعلنا التطور جميعًا عباقرة؟ للأسف تنقصنا الأدلة اللازمة للرد على هذا السؤال. على سبيل المثال، اقترح البعض احتمال أن يكون الاكتئاب أكثر شيوعًا بين الأفراد الأكثر ذكاءً؛ مما يؤدي إلى معدلات انتحار أعلى، لكن لم تتمكن أي دراسة من دعم هذه الفكرة. فمن بين الدراسات القليلة التي زعمت وجود تأثير سلبي للذكاء اكتشفت إحداها أن احتمالات موت الجنود ممن يملكون معامل ذكاء مرتفعًا قد تزايدت أثناء الحرب العالمية الثانية، لكن كان التأثير هزيلًا، ومن المحتمل أن يكون هناك عوامل أخرى قد أدت لانحراف البيانات عن الدقة.

موات فكري

على صعيد آخر، قد ينتج الاختلاف في ذكائنا عن عملية تُدعَى «الانسياق الجيني»، والتي تلت تطويع الحضارة البشرية للتحديات التي تدفع عقولنا إلى التطور. ومن أبرز المناصرين لهذه الفكرة جيرالد كرابتري الأستاذ بجامعة ستانفورد بولاية كاليفورنيا؛ إذ يشير إلى اعتماد ذكائنا على قرابة ٢٠٠٠ إلى ٥٠٠٠ من الجينات الطافرة باستمرار. في الماضي السحيق، ما كان الأفراد الذين تسببت طفراتهم الجينية في إبطاء تفكيرهم ليبقوا على قيد الحياة كي ينقلوا جيناتهم، لكن كرابتري يقترح أنه مع اتجاه المجتمعات البشرية نحو المزيد من التعاون، تمكن بطيئُو التفكير من استغلال نجاح من يفوقونهم ذكاءً، ويزعم في الواقع أننا إذا انتزعنا أحد الأفراد من سنة ١٠٠٠ قبل الميلاد ووضعناه في المجتمع الحديث، فسيكون «من أذكي الأفراد وأكثرهم حيوية فكرية بين زملائنا ورفاقنا»، (تريندز إن جينيتيكس، المجلد ٢٩، صفحة ١).
يُطلَق على هذه النظرية غالبًا اسم فرضية «دولة الحمقى»؛ تيمنًا بالفيلم الذي يَتصوَّر مستقبلًا أنتجت فيه شبكة الأمان الاجتماعي نوعًا من الموات الفكري. ورغم وجود بعض المؤيدين لهذه النظرية إلا أنها لا تعتمد على أدلة وثيقة، فلا يمكننا تقييم ذكاء أسلافنا القدماء بسهولة، فضلًا عن أن متوسط معامل الذكاء قد ارتفع في الواقع ارتفاعًا طفيفًا في الماضي القريب، على أقل تقدير «يُدحَض هذا الخوف من أن الأفراد الأقل ذكاءً ينجبون مزيدًا من الأطفال، وبالتالي سينحدر معدل الذكاء القومي»، كما يعلق آلان بادلي عالم النفس بجامعة يورك بالمملكة المتحدة.
على أي حال، قد تحتاج هذه النظريات حول تطور الذكاء إلى إعادة تفكير جذرية في ضوء التطورات الأخيرة، والتي أدت إلى افتراض العديد من الناس وجود أبعاد أكثر لقضية التفكير البشري تتجاوز مقاييس معامل الذكاء. لطالما أشار منتقدو اختبارات الذكاء إلى سهولة انحراف نتائجها عن الدقة نتيجة لعوامل؛ مثل: عسر القراءة، والتعليم، والثقافة. فيقول نيسبيت: «سأفشل على الأرجح في اختبار ذكاء وضعه هندي من قبيلة السيوكس في القرن الثامن عشر.» وعلاوة على ذلك، ففي وسع من يحصلون على نتائج منخفضة تصل إلى ٨٠ نقطة تحدُّث عدة لغات، بل والاشتراك في عملية احتيال مالية معقدة، كما فعل أحد الرجال البريطانيين. وعلى النقيض من ذلك، لا يضمن معامل الذكاء المرتفع أن صاحبه سيتصرف بعقلانية، فلتنظر مثلًا إلى الفيزيائيين العباقرة الذي يصرون على أن نظرية التغير المناخي خدعة.
لقد كان هذا العجز عن تقييم الشواهد واتخاذ القرار السليم هو ما أثار حنق فلوبير لأقصى درجة، لكن على عكس الكاتب الفرنسي، يتجنب كثير من العلماء التحدث عن الغباء في حد ذاته؛ إذ يصفه بادلي بأنه «مصطلح غير علمي»، إلا أن إدراك فلوبير لقدرة الفجوات العميقة في المنطق البشري على اجتياح أذكى العقول أصبح يحظى الآن بالاهتمام، فيقول ديلان إيفانز عالم النفس والكاتب الذي يدرس العاطفة والذكاء: «يوجد أذكياء يتَّسمون بالغباء.»
كيف يمكن تفسير هذه العبارة المتناقضة ظاهريًّا؟ يقدم دانيال كانمان — عالم الإدراك بجامعة برينستون والفائز بجائزة نوبل في الاقتصاد عن أعماله في مجال السلوك البشري — إحدى النظريات التي تفسر ذلك. لقد اعتاد الاقتصاديون على افتراض أن الناس عقلانيون بالفطرة إلا أن كانمان وزميله عاموس تفرسكي اكتشفا عكس ذلك؛ إذ وجدا أن في وسع عقلنا أثناء معالجة المعلومات استخدام نظامين مختلفين. تقيس اختبارات معامل الذكاء نظامًا واحدًا فحسب منهما؛ ألا وهو المعالجة المتروية التي تلعب دورًا محوريًّا في عملية حل المشكلات الواعية. ومع ذلك، فإن الوضع الافتراضي الذي نتبعه في حياتنا اليومية هو استخدام الحدس.
أولًا، تمنحنا آليات الحدس تلك ميزة تطورية، فهي تقدم لنا أساليب إدراكية سريعة لمساعدتنا في التعامل مع الحمل الزائد من المعلومات، وتتضمن هذه الأساليب تحيزات إدراكية مثل التنميط، والانحياز لما يؤيد معتقداتنا، ومقاومة الغموض؛ أي الانجذاب ناحية القبول بأول حل للمشكلة، حتى إن كانت عدم أفضليته واضحة.
وبينما قد تساعدنا تلك التحيزات التي تطورت — ويُطلَق عليها اسم «الطرق الاستدلالية» — في التفكير خلال مواقف محددة، فربما تؤدي إلى انحراف حكمنا عن الصواب إذا اعتمدنا عليها دون مراعاة قواعد التحليل النقدي. لهذا السبب، فإن العجز عن إدراك تلك التحيزات ومقاومتها هو أساس الغباء. تعلق فيريل على هذا قائلة: «لا يحوي العقل البشري زرًّا مكتوبًا عليه «سأستخدم أسلوب التنميط في تقييم المطاعم فحسب وليس البشر»، بل يجب عليك ترويض عقلك على هذا.»
وبما أن هذا الأمر لا علاقة له بمعامل ذكائك، فلكي نفهم الغباء البشري حقًّا سنحتاج إلى اختبار منفصل يقيس مدى قابليتنا للتحيز. يقدم عالم الإدراك كيث ستانوفيتش بجامعة تورونتو في كندا أحد الاختبارات المرشحة؛ إذ يعمل على وضع معامل العقلانية لقياس قدرتنا على تجاوز التحيز الإدراكي.
فلتتأمل السؤال التالي الذي يختبر تأثير الغموض: جاك ينظر إلى آن لكن آن تنظر إلى جورج. جاك متزوج لكن جورج غير متزوج. هل ينظر شخص متزوج إلى شخص غير متزوج؟ الإجابات المحتملة هي «نعم»، «لا»، «غير معروف». ستجيب الغالبية العظمى من الناس ﺑ «غير معروف» لأنها أول إجابة وردت في أذهانهم ليس إلا، لكن عند التأني في الاستنتاج يتضح أن الإجابة الصحيحة هي «نعم».
سيقيس معامل العقلانية كذلك ذكاء المخاطر، والذي يشير إلى قدرتنا على حساب أرجحية احتمالات معينة. على سبيل المثال: نحن نميل إلى المغالاة في تقدير فرص فوزنا باليانصيب والاستخفاف بفرص تعرضنا لتجربة الطلاق، كما يذهب إيفانز. وقد يدفعنا انخفاض معدل ذكاء المخاطرة إلى اختيارات سيئة دون أن ندرك ذلك على الإطلاق.
إذن ما الذي يحدد امتلاك المرء الفطري لمُعامل عقلانيةٍ عالٍ؟ وجد ستانوفيتش أن معامل العقلانية، على عكس معامل الذكاء، لا يتوقف على جيناتنا أو عوامل خاصة بالتغذية في طفولتنا، لكنه يعتمد قبل كل شيء على ما يُدعَى الإدراك فوق المعرفي، وهي القدرة على تقييم صحة إدراكك الخاص. فقد اكتسب الأفراد الذين يملكون معامل عقلانية مرتفعًا استراتيجيات تعزز هذا الوعي الذاتي، من بينها استراتيجية بسيطة تقتضي النظر إلى الإجابة البديهية التي توصلت إليها وتأمل عكسها قبل التوصل إلى قرار نهائي، وفقًا لستانوفيتش. ويساعد هذا على تطوير وعي ثاقب بما تدركه وما لا تدركه.
لكن حتى من يتمتعون فطريًّا بمعامل عقلانية مرتفع قد تعيقهم ظروف خارج سيطرتهم، كما توضح فيريل: «قد تكون لديك أنت قدرات إدراكية عظيمة، لكن البيئة المحيطة بك تملي عليك كيف تتصرف.»
والأدهى من ذلك، قد يكون التشتت العاطفي أبرز سبب للوقوع في الخطأ، كما قد علمت بنفسك على الأرجح؛ فمشاعر مثل الحزن أو القلق تربك ذاكرتك النشطة تاركة لك عددًا أقل من المصادر لتقيم العالم من حولك. ولمواجهة ذلك، قد تجد نفسك تتراجع نحو الطرق الاستدلالية كمخرج سريع وسهل. تضيف فيريل أن ذلك ربما يفسر أيضًا بعض التجارب الأكثر تكرارًا مثل «تهديد الصورة النمطية»، وهو الشعور بالقلق الذي من المحتمل أن ينتاب الأقليات عندما يدركون أن أداءهم قد يُنظَر إليه باعتباره تأكيدًا لتحيز قائم، ولقد اتضح مرارًا وتكرارًا تسببه في إتلاف نتائج الاختبار.
ربما لا يوجد ما يشجع على الغباء أكثر من الممارسات المتبعة في بعض المؤسسات كما لاحظ أندريه سبايسر وماتس ألفيسون. لم يكن أي منهم مهتمًّا بالغباء عندما اكتشفا ذلك، بل كان سبايسر — الباحث بكلية كاس للأعمال في لندن — وأليفسون — الباحث بجامعة لوند في السويد — يخططان لبحث كيفية إدارة المؤسسات الكبرى للأفراد الذين هم أعلى ذكاءً. لكن سرعان ما اضطُّرَّا إلى التخلص من أطروحتهما.
لاحظ الباحثان — مرارًا وتكرارًا — ظهور نفس النمط التالي: بعض المؤسسات — لا سيما بنوك الاستثمار، ووكالات العلاقات العامة، وشركات الاستشارات — تعيِّن أفرادًا على درجة عالية من الكفاءة، لكن بدلًا من الانتفاع بتلك المواهب كما يقول سبايسر «صُدِمنا بحقيقة أن الجوانب التي تدرب عليها هؤلاء الأشخاص على وجه التحديد عُطِّلت على الفور»، وهي ظاهرة صنفاها تحت اسم «الغباء الوظيفي».
بدت نتائجهما معقولة في سياق التحيز والعقلانية، كما يوضح سبايسر: «في البداية، لم نر نظريات كانمان كأساسٍ لبحثنا، لكننا بدأنا نلاحظ وجود روابط مثيرة للاهتمام مع نوعية الملاحظات التي اكتشفها في معمله.» على سبيل المثال، تعطل الممارسات المؤسسية بانتظام ذكاء المخاطر لدى الموظفين، يعلق سبايسر على هذا قائلًا: «لم تُوجَد أي علاقة مباشرة بين ما يفعلونه وبين النتيجة.» وبالتالي لا سبيل أمامهم للحكم على عواقب أفعالهم. كذلك تضخم ضغوط العمل في المؤسسات التحيز المرتبط بالغموض؛ إذ يضيف سبايسر: «في المؤسسات المعقدة يسود الغموض، وكذلك الرغبة في تجنبه بأي ثمن.»
قد تكون عواقب ذلك كارثية؛ ففي تحليل شامل نُشِر العام الماضي أعلن سبايسر وأليفسون أن الغباء الوظيفي كان مساهمًا مباشرًا في الأزمة المالية (جورنال أوف مانجمنت ستاديز، المجلد ٤٩، صفحة ١١٩٤). فيقول سبايسر: «أولئك الناس كانوا أذكياء بدرجة لا تُصدَّق، وكانوا جميعًا يعلمون بوجود مشاكل في السندات المضمونة برهن عقاري والسلع التجميعية.» ولم يقتصر الأمر على اعتبارها مشاكل لا تخصهم، بل كان الموظفون يتعرضون لإجراءات تأديبية إذا عبَّروا عن قلقهم، ربما لأنهم ظهروا بمظهر المتشكك في السلطة العليا. وكانت النتيجة هي تخلص الموظفين محتملي الذكاء الخارق من قواعد المنطق قبل دخول مكاتبهم.

جمهورية الغباء

في ضوء الانهيار الاقتصادي، قد تبدو هذه النتائج تأكيدًا لبعض مخاوف فلوبير حول قوة الأغبياء في مجموعات كبيرة، والتي أشار إليها ساخرًا بتعبير «جمهورية الغباء». تؤكد النتائج كذلك بعضًا من ملاحظات فون بوكسيه حول اعتبار الغباء أشد خطرًا بين الأفراد الذين يرتفع معامل ذكائهم، بما أنهم غالبًا ما يُكلَّفون بمسئوليات أكبر، فيقول: «كلما زاد ذكاؤهم، كانت نتائج غبائهم أفجع.»
قد يفسِّر هذا — من وجهة نظر ستانوفيتش — سبب مطالبة القطاع المالي «طوال سنوات» وبإلحاح بإجراء اختبار جيِّد لقياس العقلانية. في الوقت الحالي ليس بوسع اختبار العقلانية إعطاء نتيجة مؤكدة كالتي يعطيها اختبار معامل الذكاء؛ لأن على الباحثين مقارنة عدد ضخم من المتطوعين قبل أن يتمكنوا من تطوير مقياس ثابت يسمح بالمقارنة بين مجموعات مختلفة من الأشخاص. ورغم ذلك، قد اكتشف ستانوفيتش أن مجرد أداء هذا النوع من الاختبار يحسِّن وعينا بالاجتهادات الشائعة؛ مما قد يساعدنا على مقاومة إغرائها؛ لذا بدأ في شهر يناير عملية تطوير هذا الاختبار بفضل منحة لمدة ثلاث سنوات من مؤسسة جون تمبلتون.
أما ما إذا كان أحد سينهي العمل الذي بدأه فلوبير فهذا سؤال آخر؛ فلسوف يعتزل فون بوكسيه هذا المسعى بعد إنهاء كتابه السابع حول هذا الموضوع. لكن يبدو أن مكتبة الكونجرس الأمريكية قد اختارت — ربما دون قصد — استكمال المسيرة عبر قرارها بحفظ كل تويتة كُتِبت في العالم.
وبالنسبة لنا، قد يساعدنا إدراكنا لطبيعتنا الحمقاء على الهروب من قبضتها. وربما كان فلاسفة عصر النهضة مثل إيرازموس يدركون تمامًا قدرة الغباء على التحكم فينا؛ إذ تجد أسفل الصور التي رسمها لشخصية «الحماقة» أو «ستولتيتيا» الاعتراف التالي: «الحماقة تسيطر عليَّ.» 

الدورة المائية في الطبيعة

الدورة المائية في الطبيعة

الأرض 100 مليون سنة من الآن



الخميس، 30 يناير 2014

سكان الريف المغربي يتكيَّفون مع تغير المناخ

بقلم محمد التفراوتي ( الرباط )
انطلقنا من جماعة بودينار الى دوّار بومعاد ثم دوّار تيزة (الدوار يعني قرية). لا مناص من اختراق نهر أمقران الكبير. بقايا أشجار متناثرة، جداول تنساب بسكون، برك ضحلة ساكنة في زوايا قصية، وعلى الجانب الأيسر شريط مائي يشق طريقه بعناد وسط النهر الضخم كأنما لا ملجأ له إلا الارتماء في حضن البحر المتوسط.
مدينة الحسيمة شمال المغرب
تراءى لنا قطيع ماعز وغنم يبحث عن كلأ يصد ملامح الهزال البادي عليه. وبعد نحو ساعة، بلغنا منفذاً أخرجنا من النهر الى حافة الوادي ونحو أعلى الجبل، لتبدأ معاناة المنعطفات المتتالية على طريق ضيقة وسط غبار كثيف يحجب الرؤية. وحين وصلنا الى القمة، حيث يقطن سكان الدوار، تراءت لنا روعة الوادي الكبير ونهر أمقران.
التكيف مع تغير المناخ وتحسين حياة سكان دوّاري بومعاد وتيزة، وتعزيز صمود النظم الايكولوجية في منطقة الريف الشرقي المطلة على البحر المتوسط، هدفان لبرنامج تشاركي بين سكان الدوارين المتباعدين وبرنامج التأقلم مع التغيرات المناخية في المغرب (ACCMA). وذلك عبر جمع مياه الأمطار وتطوير المزارع وتقنيات تثبيت التربة.
يعتمد سكان دوار تيزة على مزروعات جبلية تقليدية ومحاصيل سنوية من الحبوب والبقول وأشجار الزيتون وبعض الفواكه، فضلاً عن تربية المواشي. لكن تغير المناخ أثر سلباً على الزراعة التقليدية فأضحت أقل ربحاً وأكثر تهديداً للنظام الايكولوجي المحلي، إذ تدهورت التربة الطينية الخصبة بفعل التعرية وتملح الأرض وازدادت ملوحة المياه الجوفية مع تداخل مياه البحر، وهي ظاهرة ستتفاقم مع ارتفاع مستوى البحر المتوسط بفعل الاحتباس الحراري. وأدت عوامل تآكل التربة والفيضانات وموجات الجفاف الى تقليص الأراضي الصالحة للزراعة وتدمير الغطاء النباتي والبنى الأساسية وتفشي الفقر، ما زاد الهجرة والنزوح ولا سيما في أوساط الشباب. كما يعاني سكان بومعاد وتيزة من الأمطار الغزيرة الاستثنائية التي تسببت في فيضانات مدمرة لنهر أمقران الذي يعزل معظم دواوير جماعة بودينار عن المركز.
وسجلت دراسة ميدانية لفريق بحث مشروع «أكما» وقع ارتفاع مستوى سطح البحر وتأثيراته الهامة، من حيث تملح المياه الجوفية والتربة الساحليتين، مما سيؤثر على معيشة سكان المنطقة وعلى النظام الإيكولوجي ويزيد من هشاشة البنية الاجتماعية والاقتصادية. وأفاد البروفسور عبداللطيف الخطابي، منسق المشروع والأستاذ في المدرسة الوطنية الغابوية للمهندسين، أن التوقعات المستقبلية لتغير المناخ تنذر بارتفاع درجات الحرارة وازدياد ظواهر مناخية متطرفة مثل موجاتالحرارة، فضلاً عن انخفاض هطول الأمطار وزيادة الجفاف. وستكون الأمطار الربيعية الأكثر تأثراًفي منطقة الدراسة، اذ يتوقع انخفاضها بنحو 30 في المئة، ما سوف يؤثر بشكل كبير على الزراعة المحلية. وأوضح أن مشروع الدراسة يهدف الى تحسين قدرة السكان المحليين على التأقلم، من خلال تكييف الممارسات الزراعية وتقنيات تثبيت التربة وإدارة المياه وبناء القدرات وتطوير أنشطة مدرة للدخل.
نتائج ومنجزات
وُضعت استراتيجيات دقيقة لتدبير المياه والتربة من أجل تأقلم جيد مع الجفاف والتعرية. فاختيرت ممارسات زراعية تتكيف مع تغير المناخ يتم تنفيذها بالتعاون مع السكان، من قبيل انتقاء أنواع أشجار يسهل تكييفها مع ندرة المياه وملوحة التربة والتعرية كالزيتون والخروب واللوز والتين، واعتماد تقنيات بديلة تساعد على تنمية مزروعات ذات قيمة عالية مضافة. وتم بناء خزان لجمع المياه في القرية، وحفرت خزاناتأخرى، واعتمد نظام الري بالتنقيط، واختبرت تقنيات للحفاظ على تربة مستدامة. ونظمت ورشات عمل تدريبية للسكان لاكتساب الخبرات والمعارف المتعلقة بتغير المناخ، على مستوى إدارة المياه وصيانة خزانات مياه الأمطار وتعزيز الزراعات المحلية وحماية النظام الايكولوجي.
وقد تم تسجيل بعض المعوقات، منها صعوبة الممارسات الجماعية في موقع دوار تيزة بسبب تباعد المنازل. وهناك أيضاً حاجز ثقافي يتمثل في العرف المحلي بعدم إشراك المرأة، على رغم انها تلعب دوراً رئيسياً في ادارة الموارد الطبيعية ومعرضة جداً لتأثيرات تغير المناخ. لكن الجمعية المحلية «تافضنة من أجل التنمية والتضامن» تعمل الآن على تشجيع وتنظيم أنشطة للمرأة في مناسبات متنوعة ومع فعاليات نسوية مختلفة.
كذلك يستهدف مشروع «أكما» تعزيز قدرات النساء في دوار بومعاد على تكييف مجتمعهن الزراعي المحلي مع آثار التغيرات المناخية، خصوصاً تحدي تناقص الموارد المائية وتدمير الغطاء النباتي وفقدان التربة وخسارة المحاصيل والماشية. وسيساعد على تحسين ادارة وتخزين المياه وتسهيل حصول النساء عليها والحد من عملهن الشاق لجلبها من أماكن بعيدة، فضلاً عن استفادة المزارعين الذين سيتم تسهيل إمدادهم بمياه الري.
وتمثل النساء نحو 75 في المئة من سكان الدوار، لأن معظم الرجال هاجروا، بشكل موقت أو دائم، للبحث عن عمل في مكان آخر. وتستند سبل العيش على الزراعة التقليدية عبر محاصيل سنوية، فضلاً عن تربية الأغنام والنحل ومصائد الأسماك والتجارة التي تساهم بدرجة أقل في مصادر الدخل. وتساهم المرأة مساهمة كبيرة في جميع مراحل الانتاج: الزراعة والري وإزالة الأعشاب الضارة والحفاظ على الحقول والحصاد وتخزين المنتجات الزراعية.
ولا تصل شبكة مياه الشرب الى دوار بومعاد، وتقع بعض المنازل على بعد 1,5 كيلومتر من مصدر الماء، فتمضي المرأة مايصل الى ساعة ونصف ساعة يومياً لجلب المياه لأغراض الشرب والأعمال المنزلية والري. وأكد الخطابي أن المرأة هناك هي الأكثر معاناة من انعكاس التغيرات المناخية على حياتها مباشرة.
وخلافاً للرجال، لا تستطيع النساء مغادرة القرية للبحث عن مداخيل معيشية أخرى، بل يعتمدن على الموارد والمحاصيل الزراعية المحلية المتناقصة، ولديهن فرص ضئيلة للتعلم. وهذا استرعى اهتمام مشروع «أكما» لتطوير مهارات جديدة وأنشطة متنوعة بمشاركة جمعيات محلية. وذلك من خلال برنامج محو الأمية للنساء والفتيات،  وانشاء خط أنابيب لاستقبال المياه من المصدر، وتشييد حوض صغير بالقرب من مصادر المياه، واعتماد نظم الري بالتنقيط على قطع تجريبية من أجل تعزيز إدارة المياه المتناقصة. كما فسح المجال للنساء لتحسين معرفتهن بتغير المناخ وتنفيذ التقنيات الزراعية الرشيدة وإدارة المياه، من خلال تبادل التجارب والمعلومات عبرزيارات لمواقع مشاريع أخرى.

الثلاثاء، 28 يناير 2014

السياحة البيئية في المغرب

شلال أيموزار
بقلم محمد التفراوتي (أكادير)
السياحة قوة دافعة للاقتصاد الوطني ومصدر للعملة الأجنبية في المغرب. لكن نشاط هذا القطاع المهم يتأرجح بين الانتعاش والتراجع، لأن ما يقدم للسياح أضحى تقليدياً يكاد يقتصر على الشمس والبحر. وهذا يستوجب على الجهات المعنية فتح نوافذ جديدة لتأهيل القطاع وإغنائه عبر تنويع موارده الطبيعية والتراثية والثقافية.
ويتمتع المغرب بإمكانات سياحية كبيرة تستحق الاستغلال الرشيد لإبراز خصوصياته. ويمكن أن تشكل السياحة البيئية بديلاً للسياحة التقليدية التي كادت تستنفد أغراضها. فالغنى الثقافي والأصالة المغربية والتراث والفن المحلي، ثم الطبيعة الخلابة والمحميات، تحتاج إلى تسويق جيد وبرنامج استراتيجي يبث الروح المفتقدة في ثنايا جدران الفنادق والمطاعم والمنشآت السياحية، وفق منظومة سياحة وطنية تستشرف الآفاق البعيدة لقطاع واعد.
يقول عبدالعزيز فطواك، المندوب الجهوي للسياحة في أكادير في جنوب المغرب، إن السياحة البيئية قطاع رائد واستراتيجي في جهة سوس ماسة درعة، وقد حظيت باهتمام بالغ من وزارة السياحة إبان العشرية السابقة المتمثلة في استراتيجية 2010، وكذلك في "رؤية 2020" التي دعمت السياحة المسؤولة والمستدامة. وقد تم إحداث آلية لتتبع الاستدامة في قطاع السياحة طوال مرحلة تنفيذ رؤية 2020، من خلال التوقيع على اتفاقية شراكة بين وزارات السياحة والطاقة والمعادن والمياه والبيئة. وذلك لمراقبة مدى احترام أصول السياحة المسؤولة وتأثير التنمية السياحية وكثافة السياح على البيئة والوضع الاجتماعي الاقتصادي. وسيتم تفعيل هذه الآلية عبر مراصد للبيئة والتنمية المستدامة أحدثتها وزارة البيئة في المناطق المغربية المختلفة.
واعتمدت وزارة السياحة المغربية استراتيجية لتطوير السياحة المستدامة في المناطق القروية، خصوصاً السياحة البيئية والسياحة الزراعية وسياحة المغامرات، من خلال تطبيق مفهوم "الفضاءات السياحية" التي تتعاون فيها الجماعات المحلية والمؤسسات والشركات في مشروع تشاركي. وذلك بهدف استقطاب سياح جدد ينعشون موارد الاقتصاد الوطني، وتضامناً مع فئات اجتماعية هشة في مناطق قصية.
ومهد التنوع الجغرافي والطبيعي والثقافي للمغرب لإنشاء ثمانية "فضاءات" رئيسية للاستقبال السياحي، تتمتع بهوية نوعية متميزة ترسمها المعطيات الطبيعية والثقافية والتاريخية وغيرها. وبدأ ترويج هذا النوع من السياحة ووضع إجراءات الدعم المؤسساتي له.
وقد أقيم موقع للاستقبال السياحي في أكادير سمي "فضاء الأركان". ويشهد فضاء إيموزار إداوتنان تهيئة نحو 65 كيلومتراً  مربعاً، مقسمة بين أربعة مسارات للمشي وست باحات للاستراحة مع دار الاستقبال السياحي في مركز إيموزار. كما تم تأهيل منحل إنزركي العملاق لتربية النحل، وتدريب مرشدين سياحيين، وتهيئة أماكن للإقامة، مع توعية الفاعلين المحليين بأهمية المشروع.
وتتجه جهود شركاء المشروع حالياً نحو تهيئة مغارة "وين تمدوين"، التي تعتبر أكبر مغارة معروفة في أفريقيا وتمتد على طول 19 كيلومتراً. كما يتم تشجيع الاستثمار في نشاطات سياحية رياضية مثل الصيد المنظم وركوب الخيل وتسلق الجبال.

آثار أقدام دينوصورات في أكادير

محمد التفراوتي (أكادير)
رسمت خطواتها على صخرة مند نحو 85 مليون سنة. إنها دينوصورات العصر الطباشيري العلوي في جنوب المغرب، التي تنتمي إلى فصيلة ثيروبود. وقد اكتشف علامات أقدامها باحثون ونشطاء مغاربة.
هذا الاكتشاف عجل وتيرة الدراسة العلمية الجارية في الموضوع، لإنشاء خريطة تحدد أنواع وتفاصيل الدينوصورات التي كانت تعيش في موقع الاكتشاف "أنزا" في شمال مدينة أكادير.
وأفاد الدكتور موسى مسرور، الأستاذ الباحث في شعبة الجيولوجيا بكلية العلوم من جامعة ابن زهر في أكادير، أنه تم اكتشاف ما يفوق 200 وطأة قدم، وحددت ستة مستويات على الأقل من طبقات الأحجار الرملية الجيرية مجموعة من المسارات لآثار خطوات دينوصورات ثلاثية الأصابع، معدل طولها وعرضها 20 سنتيمتراً. وهي تعد من الكائنات اللاحمة المفترسة التي ظهرت في العصر الترياسي العلوي (Upper Triassic) منذ 210 مليون سنة واستمرت حتى نهاية العصر الطباشيري، وتتنوع أشكالها من الصغير جداً بحجم حمامة إلى حيوانات هائلة بطول عشرات الأمتار.
وشرح مسرور أن آثار أقدام الدينوصورات لا تتحجر إلا في ظروف خاصة جداً. وينبغي أن تكون التربة معتدلة الليونة، وأن تغطي أثر أقدامها فوراً وتحمى بالرواسب أو الرمل. وهذه الشروط موجودة في موقع أنزا ومكنت من حماية هذه الآثار. ونبه مسرور إلى إمكانية اختفاء هذه الآثار بفعل التعرية البحرية، مما يستوجب إيجاد حلول بديلة من قبيل إقامة متحف في المدينة يعرض الاكتشافات. وسيتم إجراء حملة توعية للسكان المحليين بمساعدة الجمعية المغربية للتوجيه والتكوين بغية الحفاظ على هذا التراث الجيولوجي المميز.
وقد سبق أن شارك الباحث موسى مسرور برفقة فريق إسباني في اكتشاف ثمانية مسارات للدينوصورات في منطقة إيمينتانوت غرب مراكش تعود إلى 120 مليون سنة، وهذا الموقع يحتوي على مسارين للدينوصورات العاشبة وست مسارات للدينوصورات اللاحمة. كما سبق اكتشاف دينوصور يعد من أقدم الدينوصورات العاشبة في منطقة تازودا في ضواحي مدينة ورزازات، يرجع تاريخه إلى 180 مليون سنة.
يذكر أن المغرب يتميز باحتوائه على جميع الطبقات الأرضية منذ ما قبل العصر الكمبري إلى العصر الرباعي، وهذا يساعد على البحث في جميع الأزمنة الجيولوجية.

سد أبي العباس السبتي بشيشاوة ستكون له آثار إيجابية على ساكنة المنطقة

سد أبي العباس السبتي بشيشاوة
ـ يهدف السد إلى الرفع من المساحة المسقية لتصل إلى 5200 هكتار وحماية المنشآت المائية الفلاحية وتحسين دخل الفلاحين من خلال تطوير وتنويع منتجاتهم الفلاحية.

ـ يجسد السد الذي استغرقت به الأشغال 42 شهرا الرؤية الملكية لتنمية مستدامة ومندمجة للعالم القروي خاصة أنه يستهدف واحدة من أفقر المناطق على الصعيد الوطني يشتغل أغلبية سكانها بالفلاحة.

وستمكن المياه المعبأة والمخزنة في السد، الذي يقع على بعد حوالي 37 كلم من مدينة أمزميز، خلال فترة التساقطات المطرية، من تدعيم الري وإنعاش المدارات السقوية الصغيرة والمتوسطة، بالإضافة إلى تحسين وضمان خدمات الماء الشروب.

 وسيوفر السد، الذي تم تمويله من الميزانية العامة للدولة بدعم من الصندوق السعودي للتنمية ومنظمة الدول المصدرة للنفط، حماية أفضل لسكان المنطقة وممتلكاتها تجاه مخاطر الفيضانات، جراء التساقطات المطرية القوية.

وسيمكن سد"أبي العباس السبتي"، بفضل حقينته التي تبلغ 25 مليون متر مكعب، من دعم تزويد مدينة شيشاوة وكذا المراكز والدواوير المجاورة بالماء الشروب علاوة على تلبية الحاجيات الفلاحية من الماء، علما أن الانعكاسات السلبية للمشروع على البيئة تبقى محدودة جدا.

وبخصوص المواصفات التقنية للسد، فهو من نوع الخرسانة المدكوكة، ويبلغ علوه الأقصى 75 مترا وطول قمته 415 مترا، وتطلب إنجازه وضع 415 ألف متر مكعب من الخرسانة، وطيلة مدة انجاز السد، تم تحويل مجرى الوادي عبر ممرين من الخرسانة في الضفة اليسرى، كما ستضم منشآت التحويل حاجزين ترابيين أحدهما بالعالية والآخر بالسافلة، وسيمكن هذا التحويل المؤقت من حماية الأشغال بقعر الوادي من حمولات الورش.
 
وسيضم السد مفرغا للحمولات يتكون من عتبة تتوسط المنشأة بعرض 86 مترا يتناقص ليصل إلى 70 مترا بالسافلة، يمكن من إفراغ 1540 مترا مكعبا في الثانية، كما سيتم إنجاز مفرغ آخر للقعر فوق الأساس بالضفة اليمنى للسد يتكون من ممر يبلغ عرضه مترين وعلوه 3 أمتار وطوله 35 مترا، إضافة إلى ممر جانبي بقطر 500 ملم، وسيمكن هذا المفرغ من تمرير صبيب يبلغ 97 مترا مكعبا في الثانية عند المستوى العادي للحقينة.

 ويتضمن مشروع الإعداد الهيدرو- فلاحي للدائرة السقوية أسيف المال، إنجاز قنوات الربط بين سد "أبي العباس السبتي" والدائرة السقوية (32 كلم)، وتأهيل شبكة الري التقليدية من أجل تحسين نجاعتها وضمان تدبير أفضل للمياه (120 كلم)، وتطوير قدرات الفلاحين في مجال تدبير وصيانة شبكة الري.

الأحد، 26 يناير 2014

نهر قديم تحت الصحراء المصرية

آفاق بيئية

الصور الفضائية تكشف مجاري مائية في سيناء

 

أظهرت دراسة علمية لشمال سيناء المجرى المندثر والبحيرات القديمة في وادي العريش، التي كانت مليئة بالمياه في العصور المطيرة التي انتهت قبل نحو 5000 سنة. في هذا المقال يروي العالم المصري الدكتور فاروق الباز مدير مركز الاستشعار عن بعد في جامعة بوسطن الأميركية الذي أشرف على الدراسة، سبل استغلال نتائجها للاستفادة من السيول الموسمية في تنمية شمال سيناء. كما يعرض إمكانات استخدام صور الأقمار الاصطناعية ومعلومات الرادار لكشف مسارات الأنهار القديمة التي تدل على مواقع تركيز المياه الجوفية تحت سطح الصحارى العربية، باعتبارها مصادر جديدة للأجيال المقبلة

فاروق الباز

تعتبر شبه جزيرة سيناء واجهة مصر الشمالية الشرقية، وعلى رغم ذلك فلم تنل حظها من التنمية، التي اقتصرت على مدن ساحلية في الجنوب فيما ظل الشمال يعاني قلة الموارد وسوء الأوضاع الاقتصادية. لكن المعلومات المناخية تؤكد أن شمال سيناء من أفضل المناطق على مستوى البلاد التي يمكن تنميتها بشكل مستدام باستخدام مصادر المياه الجوفية المتجددة، لأن المنطقة تستقبل أعلى معدل للأمطار في مصر قاطبة.
ولقد حاول الرئيس الراحل أنور السادات دعم إنماء سيناء في العصر الحديث. وبدأ بالفعل التخطيط لعدد من المشاريع في السبعينات وبداية الثمانينات من القرن الماضي، ومنها استزراع أراض في سهل القاع في غرب سيناء باستخدام المياه الجوفية. لكن هذا السهل يقع أيضاً في الجنوب، وبقي شمال سيناء من دون تنمية.
كذلك بدأت دراسة علمية في التسعينات عن شمال سيناء، بمجموعة علمية من معهد الصحراء والمساحة الجيولوجية ومركز أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن. نتج عن هذه الدراسة تحديد أودية شمال سيناء وتاريخ تطورها واقتراح استزراع أراضيها باستخدام مياهها الجوفية. ومع أن نتائج هذه الدراسة ظهرت في كتاب أصدره مركز الصحراء في مصر، لكنها لم تدخل حيز التنفيذ.
لذلك بدأت دراسة علمية مستفيضة لشمال سيناء كرسالة لنيل درجة الدكتوراه للباحث مصطفى أبوبكر من جامعة الأزهر، تحت إشرافي في جامعة بوسطن. أوضحت الدراسة أن لا بديل عن استخدام المياه الجوفية المتجددة كأحد أهم المصادر الطبيعية للحياة في سيناء. علاوة على ذلك، فشمال سيناء مكان مثالي لتنمية زراعية وسكانية، إذ يتميز بمناخه المعتدل ويعتبر قريباً نسبياً من المدن المزدحمة بالسكان مثل العريش ومدن قناة السويس، إضافة الى سكانه من البدو.
شملت الدراسة التفصيلية مسار نهر العريش القديم غرب جبل الحلال. وأظهرت للمرة الأولى المجرى المندثر والبحيرات القديمة لوادي العريش، التي كانت مليئة بالماء في العصور المطيرة التي انتهى آخرها قبل نحو 5000 سنة، كما أثبتت دراساتي أن هذه هي الحال في سائر الصحراء العربية.
اعتمدت الدراسة على دمج بيانات الصور الفضائية والمعلومات الطبوغرافية مع التأكيد الحقلي بمعدات الجيوفيزياء والدراسات الميدانية، بالإضافة إلى معالجة وتفسير مجموعة واسعة من بيانات صور الرادار التي أظهرت أن المجرى القديم لوادي العريش كان يمر في منطقة السر والقوارير بطول نحو 110 كيلومترات، وتراوح عرض مجراه بين 500 و3000 متر. وتم اكتشاف رسوبيات هذا النهر القديم تحت غطاء رقيق من الرمال. إضافة إلى ذلك، تم تحديد ثلاثة مواقع لبحيرات قديمة تكونت في منخفضات خلف جبال خريم وطلعة البدن والحلال ويعتقد احتواؤها على مياه جوفية.
اقترحت نتائج الدراسة شق قناة بطول كيلومترين وعمق ستة أمتار عند وادي أبوسويير، جنوب غرب طلعة البدن، لكي تصل المجرى الحالي لوادي العريش بمجراه القديم. هذه القناة سوف تحول مسار السيول الموسمية الى منطقة منبسطة غرب جبل الحلال، فيها قرابة نصف مليون فدان يمكن استصلاحها لتوفير حياة مستقرة والاستثمار في الإنتاج الزراعي.
وسوف تقلل القناة المقترحة من مخاطر السيول المدمرة على مدينة العريش، وتزيد استفادة المجتمع من الأمطار الموسمية بدلاً من فقدان ملايين الأمتار المكعبة من المياه العذبة في البحر. كما أن تحويل مسار السيول سوف يساهم في زيادة تغذية مياه الأمطار للخزان الجوفي، ما يؤهل ارتفاع منسوب المياه الجوفية ويساعد على تجدد الخزان.
لذلك يمكن أن تؤدي نتائج هذا البحث العلمي الجديد إلى مساعدة الحكومة المصرية على التخطيط لعبور جديد يكون غرضه تنمية شمال شبه جزيرة سيناء ورفعة أهلها.

دراسة بيئة الصحراء من الفضاء

آثرت وكالة الفضاء الأميركية (ناسا) تطبيق ما تعلمناه خلال رحلات أبولو في دراسة الأرض وكواكب المجموعة الشمسية الأخرى في المدار. وهكذا بدأ في العام 1972 مشروع «سكاي لاب» (المختبر السماوي) لمدار الرواد حول الأرض. وبدأ في العام نفسه مشروع «لاندسات» للأقمار الاصطناعية لتصوير الأرض وبث الصور آلياً من الفضاء. كذلك بدأ التخطيط لرحلة أبولو ـ سويوز، وهي أولى الرحلات الأميركية ـ الروسية المشتركة التي انطلقت الى مدار الأرض في تموز (يوليو) 1975.
كنت مسؤولاً عن تدريب رواد رحلة أبولو ـ سويوز لتصوير الأرض، على غرار ما فعلناه من مدار القمر في مشروع أبولو. شمل ذلك تصوير أجزاء كثيرة من صحارى العالم، وخاصة الصحراء العربية. وأوضحت هذه الصور الكثير من التضاريس بتفصيل غير مسبوق. وللتأكد من الدقة في تفسير هذه الصور، قمت بزيارات ميدانية في صحارى شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية. ومع أن هذه الصحارى الشاسعة ما زالت تحتفظ بأسرار لا حصر لها عن تضاريسها وتطورها مع الزمن، فلقد علمتنا الكثير.
في مبدأ الأمر علمتنا الصحراء العربية أنه يجب التمعن في دراسة الصحراء لأننا لا نعرف عنها إلا القليل، وذلك لثلاثة أسباب: فقد نشأت علوم الأرض في أوروبا، وهي القارة الوحيدة التي ليست فيها صحراء، لذلك لم يهتم الأوائل بتضاريس الأراضي الجافة. ثم إن الصحراء واسعة شاسعة ويصحب الترحال فيها ولا يقصد دراستها إلا قلة من العلماء حتى وقتنا الحالي. وإلى ذلك، يغطي الصحراء خليط من فتات الصخور والرمال، ويصعب على الجيولوجي تحديد أصل الرواسب وتاريخ تطورها. لهذه الأسباب نجد أن الكتابات العلمية عن طبيعة بيئة الصحراء قليلة جداً. وتؤهل لنا الصور الفضائية دراسة الصحراء لأنها توضح تضاريس صخورها بجلاء. كذلك يسهل متابعة ما يحصل من تغيرات بيئية على سطح الصحراء بمقارنة صور تؤخذ في أوقات مختلفة.

مياه تحت الرمال

تبين من أبحاثنا في الصحراء العربية، في شمال أفريقيا وشبه الجزيرة العربية، أساسيات كثيرة يمكن تطبيقها على بقية صحارى العالم، ومنها ما يأتي:
أولاً، أصبح حزام الصحراء العربية في صورته الحالية منذ نحو 5000 عام. أما الحقبة ما بين 5000 عام ونحو 11.000 عام فكانت تتميز بهطول أمطار غزيرة كانت تغذي أنهاراً عديدة يصب أكثرها في بحيرات كبيرة. سبق هذه الحقبة الممطرة حقبة جافة ثم حقبة ممطرة أخرى ثم حقبة جافة وهكذا. ودامت كل حقبة من هذه الأحقاب المتتالية من 6000 آلاف إلى 30 ألف سنة، واستمرت هذه الحال طوال النصف مليون سنة الأخيرة على الأقل.
ثانياً، نتجت رمال الصحراء من تفتيت الصخور في أعالي الهضاب والجبال بواسطة مياه الأمطار أثناء الأحقاب الممطرة السالفة الذكر. تحركت حبات الرمال مع المياه الجارية على السطح في أودية، حيث تجمعت في منخفضات وترسبت في قاع بحيرات.
ثالثاً، نتج من تغير المناخ منذ 5000 عام أن قلت الأمطار وجفت مياه الأنهار والبحيرات. عندئذ بدأت الرياح تتفاعل مع الرسوبيات التي تعرضت للهواء. ومن المعروف أن الرياح في الصحارى العربية تأتي من الشمال، لذلك نتج عن حركة الرياح من الشمال إلى الجنوب تصنيف هذه الرسوبيات تبعاً لحجم المكونات في ثلاث فئات: التراب الذي يقل حجم حبيباته عن 0.2 مليمتر يندفع مع الهواء ويصلنا على شكل عواصف ترابية، والحصى الذي يزيد حجم حبيباته عن 2 مليمتر لا تستطيع الرياح زحزحته ويبقى على سطح الصحراء، والرمال التي يتراوح حجم حبيباتها من 0.2 الى 2 مليمتر تتجمع نتيجة زحزحة الرياح لها على شكل كثبان رملية. وهكذا الحال في الصحراء العربية، حيث تتكون كثبان طولية الشكل، وفي أماكن أخرى حيث تقل كمية الرمال تتكون كثبان هلالية الشكل. ولا يغير من مسار الكثبان إلا الطبيعة الطبوغرافية محلياً، لذلك فتجنب مسارها في أي عمل إنمائي مهم للغاية.
رابعاً، بما أن الرمال جاءت أصلاً من المياه التي تجمعت في بحيرات، فإن أماكن تجمع الرمال تدل على أن المياه كانت تتسرب في باطنها أثناء الأحقاب الممطرة. يتم هذا التسرب إما من خلال المسامية الأصلية، أي الفجوات بين حبيبات الصخور، أو المسامية الثانوية التي تؤهلها الشقوق والفوالق في الصخور والتي تسهل مرور السوائل في مساراتها.
لذلك فان مواقع تراكم الرمال في المنخفضات هي أيضاً أماكن تجمع المياه تحت سطح الأرض. ولقد كانت هذه الحقيقة العلمية غائبة كلياً لدى خبراء المياه الجوفية في بلادنا، ويلزم أخذها في الحسبان مستقبلاً. وهذا يعني أيضاً ضرورة دراسة الصور الفضائية دراسة متعمقة أثناء البحث عن مصادر جديدة للمياه الجوفية في المنطقة العربية.

صور فضائية عالية الدقة

توضح الصور التي يأخذها رواد الفضاء، وكذلك الصور المتعددة الأطياف، أنواع الصخور والتربة وأماكن تجمع الرمال. وتساعد المعلومات الرادارية على توضيح التضاريس المغمورة بالرمال. وتوضح الصور الحرارية أماكن تجمع المياه على السطح.
أخذ رواد الفضاء صوراً عديدة للأرض أثناء رحلات جيميني وأبولو وسكاي لاب وأبولو ـ سويوز، بالإضافة إلى رحلات مكوك الفضاء. وقد أخذت معظم هذه الصور بالفيلم الملون الذي يوضح الألوان الطبيعية.
وهناك أقمار اصطناعية يتم دفعها الى ارتفاع 36.000 كيلومتر فوق سطح الأرض، حيث تعادل سرعة دورانها حول الأرض سرعة دوران الأرض حول محورها، لذلك تبقى ثابتة فوق النقطة ذاتها من خط الاستواء. تستطيع هذه الأقمار بث المعلومات عن غطاء السحب وهبوب الرياح في أعالي الغلاف الجوي في كل ساعة، ومنها أقمار ميتيوسات الأوروبية ونوا الأميركية التي تقوم بتغطية نصفي الأرض الشرقي والغربي لهذا الغرض.
أثبت برنامج لاندسات الأميركي أهمية الاعتماد على جمع وبث المعلومات الرقمية آلياً ومعالجتها لكي تعطي صورة للأرض منذ العام 1972، وقد ساهم في دراسات عديدة في العالم أجمع. وللعلم، فإن محطة الاستقبال في المملكة العربية السعودية تؤهل استقبال الصور الفضائية التي تغطي معظم أرجاء العالم العربي.
في الوقت نفسه، تقوم أقمار سبوت الفرنسية بأخذ صور دقيقة، بعضها يوضح ما حجمه 2.5 متر، بطريقة مجسمة تسمح بدراسة فوارق الارتفاعات في تضاريس الأرض. وكثيراً ما تم خلط صور أقمار سبوت ذات الدقة التعبيرية المتميزة 2.5 متر مع صور لاندسات بدقة 15 متراً التي توضح كيميائية الصخور والتربة وأنواع الغطاء النباتي.
وتستخدم «ناسا» حالياً أجهزة «أستر» و«موديس» لتصوير الأرض بدقة متناهية. إضافة الى ذلك، أصبح للقطاع الخاص دور كبير في مشاريع تصوير الأرض من الفضاء. فهناك شركات تدير برامج للتصوير بدقة تعبيرية عالية تصل الى نصف متر، للبيع مباشرة لمن يدفع الثمن في أي مكان في العالم عبر شبكة الإنترنت.
وقد أطلقت كل من السعودية ومصر والجزائر مؤخراً أقماراً اصطناعية لتصوير الأرض من الفضاء لدعم مشاريعها التنموية.

مياه جوفية في صحراء مصر والسودان

شاركت «ناسا» و«نيما» ـ وهي الهيئة المسؤولة عن جمع المعلومات من الفضاء للاستخدامات العسكرية ـ في إعداد جهاز راداري على متن مكوك الفضاء لجمع معلومات عن طبوغرافية الأرض. وتم هذا بدقة تعبيرية من 90 متراً وأخرى أدق تصل إلى 30 متراً.
تعتبر هذه المعلومات في نظري من أهم المعلومات الفضائية، حيث أن المعلومات المسموح استخدامها بواسطة الهيئات المدنية بدقة 90 متراً تؤهل التعرف بالطبوغرافيا في صورة غير مسبوقة. ولذلك فلها أهمية قصوى في دراسة تضاريس الصحراء، ليس فقط في الوقت الحاضر ولكن أيضاً في الماضي أثناء هطول الأمطار الغزيرة وتجمع المياه الجوفية.
على سبيل المثال، أثبتت الأبحاث في مركز أبحاث الفضاء في جامعة بوسطن نتائج دراسة معلومات الرادار الحديثة من الفضاء، التي أوضحت آثاراً لبحيرة قديمة كانت تغطي مساحة دارفور الشمالية بكاملها. وقد اتضحت حدود البحيرة من دراسة صور الفضاء والمعلومات الطبوغرافية من مكوك الفضاء. حددت المعلومات أن حوض البحيرة امتلأ بالماء حتى ارتفاع 573 متراً فوق سطح البحر منذ آلاف السنين. عند ذلك وصلت مساحة البحيرة الى 30.750 كيلومتراً مربعاً، واحتوت على 2.530 كيلومتراً مكعباً من المياه.
يشبه هذا المنخفض موقع بحيرة قديمة أخرى في جنوب غرب مصر استخرجت منها مياه جوفية بغزارة، حيث يوجد حالياً أكثر من 1000 بئر في منطقة شرق العوينات. وتستخدم هذه الآبار حالياً في الزراعة لإنتاج القمح والحمص والفول وغيرها.
لذلك أعلن السودان مبادرة «ألف بئر في دارفور» لاستخراج المياه الجوفية ورفع المعاناة عن أهل دارفور وفتح آفاق جديدة للتنمية في شمال غرب السودان. كذلك أعلنت الأمم المتحدة أنها سوف تتكفل بحفر عدة آبار لاستخدام قوات السلام التي يخطط لانتشارها في دارفور.

مصادر مائية جديدة للعرب

أثبتت أجهزة الرادار أهميتها القصوى في دراسة الصحراء، لأنها تبث موجاتها تجاه سطح الأرض ثم تسجل الصدى الذي يعود إليها، لذلك فهي لا تعتمد على ضوء الشمس مثل أجهزة التصوير الأخرى (أي أنها تعمل نهاراً وليلاً) كما أنها تخترق السحب ولا يؤثر عليها الغلاف الجوي.
وقد أوضحت لنا صور الرادار التركيبات الجيولوجية في كثير من أنحاء العالم. كذلك اتضح أن لهذه الموجات قابلية فريدة في اختراق رمال الصحراء الجافة وتوضيح تضاريس الأرض المغمورة بالرمال. ولهذه الخاصية استخدامات هامة في الصحارى العربية. فصور الرادار توضح لنا مسارات الأودية القديمة التي كانت تمثل أنهاراً تسري فيها المياه بغزارة في الأحقاب الجيولوجية السابقة، عندما كانت الأمطار تهطل بكثرة، ثم اختفت تحت الرمال بعد أن حل الجفاف في منطقتنا قبل نحو 5000 سنة. وتتمثل أهمية مسارات الأنهار القديمة في أنها تدلنا على مواقع تركيز المياه الجوفية تحت سطح الصحراء، كما هي الحال في ليبيا حيث تبين من صور الرادار أن هناك واديين يصلان تحت الرمال الى واحة الكفرة.
إن خطوات إعداد خبراء في مجال تكنولوجيا المعلومات الفضائية لا تستعصي على مؤسسات تعليمية تنشأ لهذا الغرض في العالم العربي، لأن ذلك لا يحتاج إلى ما ليس متاحاً. ويبين ما سلف أن التعمق في دراسة صور الفضاء يعود علينا بنفع ملموس في حياتنا وفي فهم البيئة التي نعيش فيها. والمثل الحي على ذلك هو التعرف على سبل تجمع المياه في باطن الأرض وأهمية ذلك في البحث عن مصادر جديدة للمياه الجوفية لتأمين مستقبل الأجيال القادمة في الوطن العربي. 

مخاطر احترار كوكب الأرض

إن غازات الاحتباس الحراري التي انبعثت خلال آخر مائة عام أو نحو ذلك، لم تبدّل من مناخ كوكب الأرض فحسب، بل إنها - بالمثل - بدأت في تبديل الظروف في أعظم بيئة للحياة على سطحه ... المحيطات. إن نصف كمية ثاني أكسيد الكربون - على الأقل - التي تنبعث في كل مرّة نستقل فيها الطّائرة، أو نقوم بتشغيل جهاز تكييف الهواء، ينتهي بها المطاف في المحيطات، تلك التي تبدو للطبيعة محلاً ملائمًا كي تلقي فيه بنفاياتها. إلا أن كيمياء المحيطات أمر متراكب وبالغ الحساسية للتغيّر، فالمحيطات بطبيعتها ذات قلوية ضئيلة، وهو ما يتيح للحيوانات والنباتات التي تحيا بالبحار، أن تبني صدفاتها من مادة كربونات الكالسيوم. على أي حال، فإن ثاني أكسيد الكربون يذوب في الماء، مكونًا حامض الكربونيك، وهو ذات الحامض الضعيف الذي يحدث الفوران في المياه الغازية. وإذا كان ذلك يمنحنا شعورًا بالانتعاش إذ نتجرع زجاجة منها، فليس الأمر كذلك إذا كان سيقع على مستوى هائل على مقياس محيطات الأرض برمتها، وهو الأمر الذي بدأ في الحدوث بالفعل. لقد تسببت البشرية في تخفيض درجة قلوية المحيطات بمقدار عُشر وحدة على مقياس الأس الهيدروجيني. ووفقًا لما يقوله الأستاذ «كين كالديرا» Ken Caldeira بإدارة علوم البيئة بمؤسسة «كارنيجي» Carnegie Institution: «إن المعدل الذي يُضاف به ثاني أكسيد الكربون حاليًا إلى المحيطات، يفوق المعدّل الطبيعي بخمسين مرة، وفي خلال أقل من مائة عام قد ينخفض مؤشر الأسّ الهيدروجيني بالمحيطات بمقدار نصف وحدة عن معدّله الطبيعي. وقد لا يبدو ذلك بالانخفاض الخطير، إلا أن نصف درجة على مقياس الأسّ الهيدروجيني يعني زيادة في الحامضية بمقدار خمسة أمثال. ولأن المحيطات تُتمّ دورة تجددها في بطء بالغ - حتى لو ثبتت نسبة ثاني أكسيد الكربون بالجو - فستدوم هذه التغيرات في كيمياء المحيطات لآلاف السنين.


لقد كان هذا المجال من البحث العلمي، الذي تتسارع خطواته في الوقت الرّاهن، موضوعًا لبحث أساسي بالجمعية الملكية في يونيو من عام 2005، لفت الأنظار إلى مصادر القلق الرئيسية التي تؤرّق علماء الأحياء البحرية على نحو متزايد. وأكثرها خطورة على الإطلاق، هو احتمال تسمّم الكائنات الحية ذات الصدفات المكونة من كربونات الكالسيوم في مساحات عريضة من المحيطيْن الجنوبي والهادئ، بحلول عام 2050، هذا مع افتراض نجاحنا في المحافظة على معدلات انبعاث أقل من غازات الاحتباس الحراري خلال هذا القرن (بما يضاهي ارتفاعًا قدره درجتان مئويتان في درجة الحرارة). ومع معدلات انبعاث أعلى، ستصبح معظم محيطات الكرة الأرضية من الحامضية بحيث لا تكفل الحياة لمثل تلك الكائنات البحرية.
وأكثر أشكال الحياة أهمية مما ستطوله يد التغيير، هي تلك الحلقة من السلسلة الغذائية بالمحيطات... البلانكتون plankton. ورغم ضآلته بمفرده - حيث لا يتجاوز عرضه بضعة أجزاء من الألف من الملليمتر - فقد يكون البلانكتون الذي يقوم بعملية التمثيل الضّوئي، أهم مصدر للنباتات على الأرض، ويكافئ عمله عمل كل نباتات اليابسة مجتمعة. والمواقع التي تكثر بها البلانكتونات الضوئية هي بمثابة سلة الغذاء للمحيطات على مستوى الأرض كلها، وهي - في خاتمة المطاف - التي تعتمد عليها كل أصناف الأحياء البحرية حتى الحيتان الحدباء. غير أن لهذه البلانكتونات تركيبًا من كربونات الكالسيوم، وهو ما يجعلها - هي الأخرى - عرضة على نحو خاص للخطر مع تحول المحيطات صوب الحامضية. وحينما صاغ العلماء نموذجًا يحاكي طبيعة المحيطات في المستقبل، بضخّهم ماء ذا نسبة أعلى من ثاني أكسيد الكربون المذاب فيه اصطناعيًّا بمناطق من خلجان النرويج، لاحظوا كيف تآكلت هياكل تلك الكائنات، ثم ما لبثت أن تحللت تمامًا.
وسيؤثر ارتفاع الحامضية - بالمثل - على كائنات المحيطات الأخرى التي تحتاج أيضًا إلى ما يُبقي على غطائها الخارجي، والأسماك ذات الخياشيم بالغة الحساسية بالنسبة لكيمياء المحيط، تمامًا كحساسية رئاتنا بالنسبة للهواء. إن الرخويات والمحارات ذات الأهمية الحيوية، سواء كثروة اقتصادية أو كجزء من المنظومة البيئية على سواحل العالم، ستفقد قدرتها على بناء صدفات متينة بحلول نهاية القرن، وستتحلل تمامًا إذا ما بلغت نسبة ثاني أكسيد الكربون بالجو نحو1800  جزء من المليون، كما سيطّرد تآكل الشعب المرجانية الاستوائية، والتي أضيرت بالفعل من جراء تغير كيمياء المحيطات. ووفقًا لما يقوله عالم أحياء بحرية: «إننا مقدمون على مخاطرة هائلة، فظروف المحيطات الكيميائية بعد مائة عام من الآن، لم يحدث لها مثيل ربما عبر العصور الجيولوجية الغابرة برمّتها، ولن تكون لدى الكائنات الحية ذات الأهمية الجوهرية لنا، الآلية اللازمة للتأقلم مع هذا التغيير.
إن كل ما سبق يصور ما ستؤول إليه الأحوال إذا ارتفعت درجة حرارة الأرض بنحو درجتيْن مئويتيْن. فما بالك إذا ما ارتفعت بما يقرب من ست درجات، وهو ما يتوقعه العلماء بحلول نهاية القرن الحالي؟
 أما آن الأوان أن نعيد حساباتنا لنواجه - بشجاعة - هذه المعضلة الحقة؟

المصدر : مجلة العربي العلمي


حامة مولاي يعقوب

محمد التفراوتي آفاق بيئية
بين أحضان مشاهد طبيعية خلابة، وسط هضاب وتلال وعرة المسالك، اكتشفت حامة مولاي يعقوب عام 1900 على بعد 22 كيلومتراً شمال غرب مدينة فاس في المملكة المغربية. وقد تم تجهيزها عام 1965، وتعتبر من أهم الحامات المغربية بفضل مكوناتها المعدنية وحرارة مياهها وصبيبها ومزاياها العلاجية.
والحامات منابع للمياه المعدنية الحارة، ويعتبر العلاج فيها من العادات المترسخة في العرف المغربي. ويحج الناس الى هذه الحامة للتبرك من الولي مولاي يعقوب، وللاستشفاء من الأمراض المستعصية، حيث يردد السابحون لازمة داخل الصهريج الساخن: ''بارد واسخون آمولاي يعقوب".
تنبع مياه الحامة من عمق يصل الى 1500 متر، وتبلغ حرارتها 54 درجة مئوية. وهي تحتوي على الأملاح المعدنية المكبرتة والمحملة بالكلور والصوديوم والكلسيوم والمغنيزيوم بنسبة 30 غراماً في الليتر، وترتفع نسبة الكبريت الى 33 مليغراماً في الليتر. وقد شبهها أحمد العكاري، المسؤول في الحامة، بماء البحر لكنها ساخنة ومكبرتة.
تنقسم مولاي يعقوب الى حامة تقليدية وحامة عصرية. في الأولى ثلاثة مسابح للعلاجات الاستشفائية، تستقبل ما يناهز مليون زائر سنوياً بمعدل 2800 زائر في اليوم، وصولاً الى 4000 يومياً في فصل الصيف. أما الحامة العصرية فهي بمثابة مؤسسة طبية حرارية تحوي قاعات مخصصة للتريض والتدليك والحمام البخاري وفق معايير استشفائية دولية. وهي تمتد على مساحة ثمانية هكتارات (80 ألف متر مربع)، منها 6100 متر مربع مبنية. وتحوي ثلاثة فضاءات للراحة والمعالجة الفيزيائية، وفضاء للتجميل، وفضاء طبياً يقدم معالجة تحت إشراف أطباء مختصين تدوم بين أسبوعوثلاثة أسابيع، لمعالجة بعض الأمراض المزمنة مثل الروماتيزم وأمراض الحنجرة والأنف والأذن والأمراض الجلدية.
وأنجزت شركة ''سوتيرمي'' التابعة لصندوق الايداع والتدبير والمكلفة بتسيير حامة مولاي يعقوب، بالتعاون مع كلية الطب ومركز الحسن الثاني الاستشفائي الجامعي في فاس، دراسة عن سبل الانتفاع بالحامة في مجالات علاج الروماتيزم، فضلاً عن الآثار الايجابية على صحة المصابين بالاعتلال المفصلي للركبة، من قبيل انخفاض الآلام وإطالة مسافات المشي وتحسن جودة الحياة.
ورصد كل من المغرب والأردن استثماراً بقيمة 150 مليون دولار لتأهيل حامة مولاي يعقوب. ويروم هذا المشروع، الذي سينجز بفضل اتفاقية الشراكة الاستراتيجية بين الشركة الأردنية ''موارد'' وصندوق الايداع والتدبير المغربي، توسيع فضاءات الحامة وترشيد مواردها المائية وجعلها وجهة سياحية بيئية.

السبت، 25 يناير 2014

السعودية ستوقف رسمياً زراعة القمح عام 2016

جدد وزير الزراعة السعودي الدكتور فهد بالغنيم تأكيد بلاده بأنها ستتوقف رسمياً عن زراعة القمح في بداية سنة 2016، حفاظاً على ما تبقى لديها من مياه جوفية غير متجددة وآخذة في التناقص، مشيراً إلى أن الأمن المائي يسود على الأمن الغذائي.
وكشف أن السعودية استوردت 2.5 مليون طن قمح عام 2013 من دول أميركا الشمالية والجنوبية والاتحاد الأوروبي وأوستراليا بقيمة 773 مليون دولار، بهدف تغطية حاجات الاستهلاك المحلي والمحافظة على المخزون الاستراتيجي من القمح، مشيراً إلى أن متوسط سعر الطن الواصل إلى موانئ المملكة بلغ 318 دولاراً. كما قامت الحكومة بشراء كامل محصول القمح المحلي من المزارعين المحليين والبالغ 600 ألف طن، بواقع ألف ريال للطن (266 دولاراً).
وانتقد رئيس لجنة الزراعة والأمن الغذائي في الغرفة التجارية الصناعية في الرياض محمد الحمادي قرار وزارة الزراعة بوقف زراعة القمح في السعودية، مشيراً الى أنه لن يحقق هدفه بالحد من استنزاف المياه.
وكانت تقارير المنتدى العربي للبيئة والتنمية (أفد) أشارت إلى أن الزراعة تستأثر بنحو 85 في المئة من المياه في المنطقة العربية، وتقل كفاءة الري عن 40 في المئة.

أوروبا تتصحّر وتراب أفريقيا يصل الى أميركا

لا جدل في أن ظاهرة التصحر وتحول الأراضي الزراعية الخصبة إلى أراض قاحلة غير منتجة تعد من أخطر المشكلات البيئية التي تواجه العالم حالياً. فهي تفرض أعباء وتداعيات اجتماعية واقتصادية وسياسية ممتدة ويصعب حلها. ولقد تفاقمت حدة هذه الظاهرة المدمرة بشكل لافت، واتسع نطاق الدول المتأثرة بها إلى أكثر من 110 دولة تخسر سنوياً ما يقدر بـ 65 بليون دولار نتيجة بوار الاراضي والتصحر، بحسب تقديرات الأمم المتحدة. وتشير هذه التقديرات أيضاً إلى أن نحو ‏135‏ مليون شخص يتضررون بشكل أو آخر من آثار التصحر حالياً، ويتوقع معه أن يضطر نحو 50 مليوناً منهم إلى هجر مواطنهم والنزوح إلى مناطق أخرى أكثر اخضراراً بحلول سنة ‏2020.‏
من هنا ليس غريباً أن يولي المجتمع الدولي اهتماماً خاصاً بهذه الظاهرة. وقد أبرمت اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر ودخلت إلى حيز التنفيذ عام 1996، وتم تخصيص يوم عالمي لمكافحة التصحر في 17 حزيران (يونيو)، وسنة دولية للتصحر (2006)، وأقيمت ندوات ومؤتمرات إقليمية ودولية لبحث أسباب هذه الظاهرة وتحديد سبل مواجهتها ومكافحتها.
في هذا الإطار، استضافت العاصمة الاسبانية مدريد في 3 ـ 14 أيلول (سبتمبر) المؤتمر الثامن لأطراف اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة التصحر، بمشاركة ما يقرب من 2000 خبير ينتمون إلى 191 دولة. وتمثل الغرض الأساسي للمؤتمر في تحديد الأولويات المستقبلية وإعداد خطة عمل استراتيجية محددة على مدى عشر سنين من أجل مكافحةاتساع هذه الظاهرة التي تلتهم سنوياً نحو 10 ملايين هكتار من الأراضي الزراعية المنتجة في العالم.
خريطة التصحر العالمي

 التصحر في اسبانيا وظاهرة "الأفرقة"

قد يبدو لكثيرين أمراً غريباً أن يقام مؤتمر أممي عن التصحر في العاصمة الاسبانية، باعتبار الدولة المضيفة من بلاد الثلج الأوروبية وبعيدة جداً عن حزام الصحارى الممتد عبر جميع قارات العالم إلا أوروبا. لكن هذه الدهشة ستزول عند معرفة أن اسبانيا أصبحت مهددة الآن بخطر التصحر، وأنها تسير بخطى ثابتة على طريق "الأفرقة"، كما يحلو للبعض التشبيه، أي جفاف أراضيها وتحول مناخها بشكل يماثل طبيعة الأراضي والمناخ السائد في الصحراء الكبرى وشمال أفريقيا. فبحسب ما قالت وزيرة البيئة الاسبانية كريستينا نربونا، أصبح التصحر يهدد فعلياً أكثر من ثلث مساحة البلاد، وتعتبر الأجزاء الجنوبية الغربية وجزر الكناري المواجهة للسواحل المغربية من أكثر المناطق تأثراً.
ولكن يبدو أن المشكلة أكثر تعقيداً، خصوصاً إذا علمنا أن اسبانيا تعاني بشكل مزدوج من آثار التصحر. فمن جهة، يتعرض جزء كبير من أراضيها وتربتها الزراعية للتآكل والتصحر بدرجة متسارعة. ومن جهة أخرى، تستقبل الدولة سنوياً مئات الألوف من المهاجرين غير الشرعيين النازحين من منطقة الساحل الأفريقي وشمال غرب أفريقيا بسبب التصحر وبوار الأراضي الزراعية. وإذا أضفنا هذا إلى مشاكل التصحر الأخرى، ومنها العواصف الترابية التي تنطلق من الصحراء الكبرى في أفريقيا، ومن غيرها، ضاربة الأجواء والأراضي الاسبانية وجنوب أوروبا عموماً من آن الى آخر بطبقة كثيفة من الغبار والأتربة الناقلة للأمراض والآفات، تصبح استضافة اسبانيا أو أي دولة أوروبية أخرى لمؤتمر من هذا النوع أمراً طبيعياً لا يدعو الى الدهشة على الإطلاق.

عولمة التصحر

على رغم إخفاق المؤتمر في اعتماد التمويل اللازم لتسيير خطة العمل الاستراتيجية والأولويات المستقبلية التي أمكن الاتفاق عليها، إلا أن مداولات الأطراف أفادت في تسليط الضوء على أبعاد ومفاهيم جديدة بخصوص التصحر.
البعد الأول هو الآثار الكونية للتصحر، أو ما يسمى "عولمة التصحر". فعلى رغم أنه غالباً يتركز في مناطق أو أقاليم معينة، إلا أن الأضرار السياسية والاجتماعية والمشاكل المنبثقة منها عموماً يمكن أن تهدد العالم بأسره. وهذا من واقع ما تفرضه هذه الظاهرة المدمرة من قلاقل دولية وإقليمية ونزاعات مسلحة وهجرات جماعية، كنتيجة لتزايد المجاعات والصراع على الموارد المائية والغذائية.
من الاعتبارات الأخرى التي ترسخ فكرة عولمة التصحر امتداد آثاره البيئية إلى مناطق أبعد كثيراً من البلاد أو المناطق المتضررة أو حتى المجاورة لها. ومن ذلك ما يقال عن "هجرة غبار الصحراء الكبرى" من أفريقيا إلى السواحل الأميركية المواجهة، عبر المحيط الأطلسي ولمسافة تزيد على 6500 كيلومتر، وتسبب هذا الغبار في انتشار مجموعة من الأمراض الطفيلية للإنسان والحيوانات الفطرية، كما حصل في سواحل فلوريدا والمناطق المجاورة. ويماثل ذلك تأثير غبار صحراء غوبي في الصين على صحة الموائل الطبيعية في اليابان.
تشمل الآثار البيئية للتصحر أيضاً زيادة نسبة الغبار في الجو، وهذا بدوره يؤدي إلى زيادة شدة ومعدل حدوث العواصف الترابية، وتغيير أنماط هطول الأمطار ومعدلاتها في مناطق عديدة من العالم، كما يمكن أن يؤدي إلى تفشي بعض الأمراض الوبائية الخطيرة من خلال انتقال الميكروبات المحمولة مع الغبار جواً. وهذا ليس بمستبعد، خصوصاً إذا علمنا أن غراماً واحداً من الغبار العالق في الجو يمكن أن يحتوي على 10 آلاف خلية بكتيرية، قد يكون ثلثها أو أكثر ممرضاً وضاراً بالكائنات الحية. كما أن هذه الجراثيم تتميز بالقدرة على تحمل العوامل الجوية القاسية، ما يعني إمكان انتقالها من مكان إلى آخر، بل من قارة إلى أخرى، من دون أن تتأثر أو تخمد قدرتها على نقل الأمراض.
وقد أشار ولي عهد اسبانيا الأمير فيليب إلى فكرة عولمة التصحر في كلمته الافتتاحية للمؤتمر، بطريقة غير مباشرة، حينما شدد على أن "مشكلة التصحر تعد من أخطر التحديات التي تواجه المجتمع البشري حالياً"، وحينما حاول لفت نظر المؤتمرين إلى الآثار الكونية للتصحر بقوله: "يجب الانتباه إلى أن مشاكل التصحر لا تقتصر على الأماكن المتأصلة فيها، بل تمتد إلى مناطق أخرى بعيدة جداً".

الاحتلال يصحّر الأرض

من الأبعاد الجديدة التي أفاد المؤتمر أيضاً في تسليط الضوء عليها الارتباط الوثيق والعلاقة التبادلية بين التصحر والمشكلات البيئية الأخرى، وعلى الأخص قضيتي فقد التنوع البيولوجي والتغير المناخي. وقد حاول ايفو دي بوير، السكرتير التنفيذي لاتفاقية الأمم المتحدة الاطارية لتغير المناخ، لفت الانتباه إلى أن التصحر والتغير المناخي وجهان لعملة واحدة. أي أن كلاً منهما يمكن أن يؤدي إلى الآخر، بحيث يسهم التصحر في زيادة وتيرة التغير المناخي نتيجة فقد مساحات كبيرة من الغطاء النباتي الممتص لثاني أوكسيد الكربون، كما يمكن أن يؤدي التغير المناخي إلى تعرض مناطق جديدة للجفاف، ومن ثم التصحر، بسبب تغير نمط وخريطة توزّع الأمطار السائدين حالياً. الأمر نفسه ينطبق على العلاقة بين التصحر وفقد التنوع البيولوجي. وهذا كله يعني في المجمل أن التراخي في علاج مشكلة التغير المناخي أو التنوع البيولوجي سوف يؤدي بلا شك إلى تفاقم مشكلة التصحر مستقبلاً، والعكس صحيح.
هذا بدوره يوضح أهمية توسيع وتعزيز مفهوم الشراكة بين الجهود الدولية وآليات العمل الخاصة بالاتفاقيات الأممية الثلاث الخاصة بالتصحر والتغير المناخي والتنوع الأحيائي، باعتبار أن تنسيق الجهود القائمة سيفيد في الوصول إلى الأهداف المرجوة بسرعة وعبر أقصر طريق. وقد شدد المؤتمر في إعلانه الختامي على هذه الحقيقة، وعلى أهمية دور الهيئات المحلية في مكافحة التصحر، وأهمية تفعيل دور النساء والشباب في الجهود القائمة لوقف اتساع هذه الظاهرة.
من المفاهيم الجديدة التي تم طرحها في المؤتمر دور الاحتلال في زيادة التصحر وإعاقة جهود مكافحته. وهو المفهوم الذي قدمه رئيس الوفد السوري الدكتور نصرالدين خيرالله. فهو قدم وجهة نظر موثقة عن تداعيات الاحتلال الإسرائيلي على أراضي الجولان السورية، ودور قوات الاحتلال في تهجير أكثر من 450 ألف سوري منها، والاستيلاء على مواردها الغذائية والمائية، وهي كلها من الممارسات التي ساهمت في تصحر تلك المنطقة.
ومثلما قدم المؤتمر آليات ومفاهيم جديدة، قدم أيضاً صورة نمطية محزنة عن شح الدول الغنية وتلكؤها المعهود في دعم الاتفاقيات الدولية. فقد تمنعت اليابان والولايات المتحدة عن تقديم الدعم المادي اللازم لإقرار خطة العمل الاستراتيجية المتفق عليها، ليبقى نقص التمويل كما هو دائماً عقبة على طريق تفعيل الآليات المقترحة والمفاهيم الجديدة.
Géographie Général 2014