الثلاثاء، 11 فبراير 2014

النفايات الطبية في الجزائر

علي ياحي الجزائر
تنتج المستشفيات والعيادات والمختبرات والصيدليات في الجزائر 28 ألف طن من النفايات الطبية سنوياً، يتم التخلص من معظمها بطرق غير مأمونة للصحة والبيئة.
تعاني الجزائر منذ استقلالها من مظاهر حرق النفايات الطبية والتخلص منها بطرق فوضوية وغير قانونية. وقد عجز المسؤولون عن إيجاد طريقة عصرية للتخلص الآمن من هذه النفايات، التي تنتج بكميات كبيرة في المستشفيات والعيادات والمختبرات والصيدليات، على رغم الإمكانيات المتاحة.
ظلت هذه الظاهرة طويلاً «سرية» وبعيدة عن أعين المنظمات البيئية والهيئات الحقوقية. وكثيراً ما تم التستر على التجاوزات التي أدت مراراً الى تسجيل حالات مرضية أقلقت الأطباء، لاستعصاء إيجاد علاجات لها أو كشف مصدرها. كما أدت إلى ارتفاع نسبة تلوث الهواء والتربة والمياه بشكل خطير، علماً أن جزءاً غير يسير منها يحوي مواد كيميائية مسرطنة. وإذا كانت السلطات الجزائرية تتباهى بتحكمها في النفايات الطبية، فإن واقع الأمر يؤكد عكس ذلك. فالنفايات الحساسة كالإبر والحقن وغيرها من لوازم الجراحة والمعالجة تتراكم على نحو خطير وتثير هواجس واسعة النطاق، مع ارتفاع مخزون البقايا الناتجة عن الأنشطة اليومية للمؤسسات الاستشفائية والطبية.
وقد ارتفعت مؤخراً أصوات المجتمع المدني، خصوصاً البيئية على قلتها وضعفها، داعية الى إيجاد حل لمشكلة النفايات الطبية التي باتت تهدد البيئة وصحة الانسان. وهذا دفع السلطات، ولا سيما وزارة الصحة وإصلاح المستشفيات ووزارة البيئة، إلى الإسراع لإيجاد حلول عاجلة، خصوصاً بعد تبادل الاتهامات بين مختلف الأطراف. وبدأ التحرك بإجراء تحقيقات ميدانية أدت الى الكشف عن 150 عيادة خاصة تتمركز في العاصمة الجزائر وعنابة ووهران، تلجأ الى التخلص من النفايات الطبية بطرق غير شرعية، كحرقها وإتلافها عشوائياً خارج الأماكن المخصصة أو رميها في الطرق ومستوعبات النفايات والمكبات العمومية والأودية.

أدوية منتهية الصلاحية

توصلت التحقيقات الميدانية، التي باشرتها مصالح وزارة الصحة وأكدتها نقابة الصيادلة الجزائريين، إلى أن النفايات الاستشفائية تبلغ أكثر من 28 ألف طن سنوياً في المستشفيات والعيادات الخاصة والمختبرات ومراكز صناعة الأدوية. وارتفعت كمية الأدوية المنتهية الصلاحية المكدسة لدى الصيدليات إلى أكثر من 25 ألف طن، منها 10 آلاف طن في العاصمة. ورفعت هذه المصالح تقريراً الى المسؤولين يحذر من خطورة الوضع، بعد أن باتت وجهة تلك السموم الحرق العشوائي الذي لا تحترم فيه أدنى الشروط المعمول بها عالمياً، وتدفق كمية كبيرة منها إلى مكبات النفايات العمومية بكل ما تحمله من أخطار على صحة المواطنين والبيئة.
وتتركز الانتقادات على غياب الحلول المعتمدة للتخلص من هذه الكمية الهائلة، بسبب نقص المحارق المرخصة، واستحالة وصول الـ8000 صيدلي المنتشرين عبر مناطق البلاد إلى المحارق القليلة الموجودة في المستشفيات العمومية. وزاد من تأزم الوضع رفض وزارة الصحة تحمل مسؤولية التخلص من الأدوية المنتهية الصلاحية.
وأكد نائب نقيب الصيادلة مسعود بلعمبري لـ «البيئة والتنمية» أن العديد من الصيادلة وجدوا أنفسهم محاصرين بين قوانين حماية البيئة، التي تمنع التخلص من النفايات الصيدلانية ومن بينها الأدوية المنتهية الصلاحية إلا بطرق خاصة، وغياب الآليات الناجعة التي تتيح لهم التخلص من هذه الأدوية التي يتزايد حجمها مع مرور السنوات. وقال إن النقابة مستمرة في مطالبة وزارة البيئة بالإسراع في إيجاد حل دائم وتوافقي لتحديد آليات جمع الأدوية والنفايات الطبية والتخلص منها، مشيراً إلى أن من المرتقب توقيع اتفاقيات مع المستشفيات العمومية لتمكين الصيدليات من حرق أطنان الأدوية المنتهية الصلاحية التي بقيت قابعة لسنوات على الرفوف وفي المخازن.

نفايات مخزَّنة

أشارت دراسة أعدتها وزارة تهيئة الإقليم والبيئة حول النفايات بمختلف أنواعها، الى أن الكميات المخزنة على مستوى المؤسسات بلغت 6.1 ملايين طن من النفايات الصلبة، بسبب عدم توافر وسائل لمعالجتها. ويأتي الخطر الأكبر من منشآت الحرق في المستشفيات، وعددها 236، منها أكثر من 64 منشأة عاطلة، بالإضافة إلى المواد الصيدلانية التي يبقى مصيرها الحتمي حالياً المكبات العمومية. وأضافت الدراسة أن هناك 28 ألف طن من هذه النفايات تطرحها المستشفيات والعيادات سنوياً، منها 13 ألف طن من النفايات الناقلة للعدوى و803 أطنان ذات أخطار كيميائية وسامة. وهذا ما دفع مديرية البيئة في ولاية الجزائر الى الضغط على وزارة الصحة لاقتناء أجهزة لتعقيم وترميد النفايات الطبية والصيدلانية، ومنع أي محاولات لدخولها المطامر المخصصة للنفايات المنزلية.
وكشف رئيس مديرية البيئة في ولاية الجزائر العاصمة دحماني سليم لـ «البيئة والتنمية» عن مخطط خاص بالعاصمة موجه الى جميع المؤسسات الاستشفائية العمومية والخاصة، يهدف إلى دراسة نوعية ما تفرزه المستشفيات، خصوصاً السوائل، للسماح بالمعالجة الأنجع مستقبلاً. وأشار إلى أن القانون يلزم المؤسسات الاستشفائية العمومية والخاصة باقتناء أجهزة التعقيم والترميد، داعياً إلى الإسراع في تنفيذ مشروع تهيئة كل المستشفيات بأجهزة حرق حديثة تضمن السلامة العامة.
وأوضح كريم بابا، المدير المركزي المكلف بتسيير النفايات، أن حل معضلة النفايات الطبية مرتبط بالترميد الجيد وتشديد الرقابة، مع إلزام المراكز الصحية والمستشفيات والعيادات بالتخلص القانوني من النفايات الطبية وتشديد العقوبات على المخالفين.
 
مجلة البيئة والتنمية